نهى الكافر أن يصدّ موسى عنها والمراد نهيه أن يتصدّ عنها كقوله : لا أرينك هاهنا تنبيها على أنّ فطرته السليمة ، لو خليت بحالها لاختارها ولم يعرض عنها وأنه ينبغي أن يكون راسخا في دينه فإنّ صدّ الكافر إنما يكون بسبب ضعفه فيه
وَاتَّبَعَ هَواهُ
ميل نفسه إلى اللذات المحسوسة المخدجة فقصر نظره عن غيرها
فَتَرْدى
فتهلك بالانصداد بصدّه
وَما تِلْكَ
استفهام يتضمن استيقاظا لما يريه فيها من العجائب
بِيَمِينِكَ
حال من معنى الإشارة ، وقيل : صلة تلك
يا مُوسى
تكرير لزيادة الاستئناس والتنبيه
قالَ هِيَ عَصايَ
وقرئ عصيّ على لغة هذيل
أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها
أعتمد عليها إذا عييت أو وقفت على رأس القطيع
وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي
وأخبط الورق بها على رؤوس غنمي وقرئ أهش ، وكلاهما من هش الخبز يهش إذا انكسر لهشاشته وقرئ بالسين من الهس وهو زجرر الغنم أي أنحي عليها زاجرا لها .
وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى
حاجات أخر مثل أن كان إذا سار ألقاها على عاتقه فعلق بها إداوته ، وعرض الزندين على شعبتيها وألقى عليها الكساء واستظل به ، وإذا قصر الرشاء
شرح
ولازمه وهو الانصداد أو عدم التصديق مجازا أو كناية كما في لا أرينك ههنا فإنه نهى عن رؤيته ، والمراد النهي عن لازمه وسببه وهو مجيئه وكونه هنا لكنه عكس الأوّل في السببية والمسببية ، وإلى هذا أشار بقوله : والمراد الخ والثاني أنه ذكر المسبب وهو الصدّ وأريد النهي عن سببه وهو لينه لهم وملايمته حتى يتجرّؤوا على صدّه فكأنه قيل : كن شديدا عليهم ، وإليه أشار بقوله : وأنه ينبغي الخ ولو أخر المثال كما في الكشاف لكان أولى ومن ظنهما وجها واحدا قال : لا يقال على هذا تكون الآية من ذكر المسبب وإرادة السبب فلا يناسب جعله مما يتفرّع على ذكر الصدّ وإرادة الانصداد لأنا لا نسلمه لظهور أنّ التنبيه على شيء غير إرادته ولا يستلزمه كما في مستتبعات التراكيب ولا يخفى أنه مخالف لما في الكشاف وشروحه مع بعده ثم إنّ هذا مبنيّ على إرجاع الضمير إلى الساعة لا إلى الصلاة كما توهم ، وقوله : فتردى مرفوع أي فأنت تردى أو منصوب في جواب النهي ، والمخدجة بمعنى الناقصة ، ووجه التنبيه أنه جعل ذلك بالصدّ لا بالفطرة والسليقة ولذا لم يجعل النهي له بحسب الظاهر . قوله : ( استفهام ) أي تقريري عن الجنس أو الصفة على ما فصل في شروح الكشاف ، وقوله : يتضمن استيقاظا يعني المقصود من السؤال تعديد منافعها ليريه ما فيها من العجائب التي هي أعظم مما عنده فما طالبة للوصف وما تلك بمعنى ما منافع تلك ، وقوله : حال من معنى الإشارة فيه تسمح والمقصود أنه حال من اسم الإشارة الواقع خبرا أو مبتدأ على القولين ، والعامل في الحال ما فيه من معنى الفعل لأنه فيه معنى أشير وتسمية النحاة عاملا معنويا كما في قوله : وهذا بعلى شيخا . قوله :
( وقيل صله تلك ) وهذا على مذهب الكوفيين الذين يقولون : إنّ كل اسم إشارة يجوز أن يكون اسما موصولا والبصريون لا يقولون به إلا في ذا في ماذا ، وما قيل : من أنّ المراد بالصلة أنه متعلق باسم الإشارة لتضمنه معنى الفعل على أنه لغو لا وجه له . قوله : ( على لغة هذيل ) وهي قلب الألف التي قبل ياء المتكلم ياء للمجانسة كما يكسر ما قبلها في الصحيح ، والقطيع الغنم