تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
وكسره الباقون بإضمار القول أو إجراء النداء مجراه وتكرير الضمير للتوكيد والتحقيق ، قيل : إنه لما نودي قال من المتكلم ؟ قال : إني أنا اللّه فوسوس إليه إبليس لعلك تسمع كلام شيطان ، فقال : أنا عرفت أنه كلام اللّه بأني أسمعه من جميع الجهات وبجميع الأعضاء وهو إشارة إلى أنه عليه الصلاة والسّلام تلقى من ربه كلامه تلقيا روحانيا ثم تمثل ذلك الكلام
شرح
مشهور صار حقيقة عرفية في الاستعلاء على مكان قريب ملاصق لها كما في قوله :وبات على النار الندى والمحلقونحوه ما نقله عن سيبويه رحمه اللّه والمراد بأهلها من هو عندها للإصطلاء والانتفاع بها وبياضها بالنور ورؤية النار منها مع خضرتها من أسفلها إلى أعلاها من خوارق العادة ، واختلف في تلك الشجرة هل هي من شجر العوسج أو غيره مما لا حاجة إلى تعيينه ، وقوله تعالى :نُودِيَفي الدرّ المصون القائم مقام الفاعل ضمير موسى وقيل : ضمير المصدر أي نودي النداء ، وقوله : يا موسى تفسير له وهو ضعيف ومنعوا أن يكون القائم مقامه الجملة لأنّ الجملة لا تكون فاعلا ولا قائما مقامه يعني إلا أن يعتبر تضمينه معنى القول ويقصد بهذا لفظه وحينئذ فلا يظهر وجه منعه فتأمّل . قوله : ( أي بأني ) يعني بحذف الجار وهو مطرد فيه ونادى يتعدّى بالباء وقوله بإضمار القول لأنه لا يعمل في الجمل عند البصريين والكوفيون يجرون ما هو في معناه مجراه وإليه أشار بقوله : أو إجراء الخ ، وقوله : وتكرير الضمير يعني أنا سواء كان تأكيدا لاسم إن أو مبتدأ أو الجملة خبرها ويحتمل أنه ضمير فصل . قوله : ( قيل إنه لما نودي الخ ) اعلم أنّ المتكلمين بين مثبت للكلام وناف له والمثبتون له فرقتان منهم من قال : إنه كلام نفسيّ بلا حرف ولا صوت وتحقيق الكلام النفسي ، والفرق بينه وبين العلم مفصل مذلل في الأصول ، ومنهم من قال : إنه لفظي واستلزام اللفظ للحدوث لأنه لا يوجد بعضه إلا بتقضي بعض آخر إنما يلزم من التلفظ بآلة وجارحة وهي اللسان أمّا إذا كان بدونها فيوجد دفعة واحدة ، كما يشاهد في الحروف المرسومة بطبع الخاتم دون القلم وهذا ما اختاره الشهرستاني ، وموسى كلمه اللّه تعالى بغير واسطة ولذا اختص باسم الكليم فكلام اللّه له صلّى اللّه عليه وسلّم وكونه من جميع الجهات لصدوره عن الذات المنزهة عن الجهة والمكان على مذهب الشهرستاني لا إشكال فيه وإن كنا لا نعرف حقيقته لأنّ من لم يذق لم يعرف ، وأمّا على مذهب غيره فسماع الكلام النفسي مشكل فلذا حققه المصنف رحمه اللّه بأنه تلق روحانيّ ، كما تتلقى الملائكة كلام اللّه لا من جارحة ، ثم أفاضته الروح بواسطة قوّة العقل على القوى النفسية ورسمته في الحس المشترك بصور ألفاظ مخصوصة فصار لقوّة تصوّره كأنه يسمعه من خارج فشاهده في اليقظة كما يرى النائم أنه يكلم ويتكلم ووقوف الشيطان حينئذ عليه إمّا أن يكون كذلك أو بالتفرس من كونه على هيئة المصغي المتأمّل لما يسمعه ، وهذا تحقيق لكلامه بما لا مزيد عليه ، فقوله : من جميع الجهات وبجميع الأعضاء نفي لكونه صوتا كالأصوات كما ورد في الحديث يمين اللّه ، وكلتا يديه يمين لنفي الجارحة كما في الانتصاف وإليه أشار العارف بهلول رحمه اللّه ونفعنا