أنفسهم ، ويجوز أن يراد به تأكيد الخلود
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً
ما يكتب به وهو اسم ما يمدّ به الشيء كالحبر للدواة والسليط للسراج
لِكَلِماتِ رَبِّي
لكلمات علمه وحكمته
لَنَفِدَ الْبَحْرُ
لنفد جنس البحر بأسره ، لأنّ كل جسم متناه
قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي
فإنها غير
شرح
يجدون أطيب منها بجميعها في الواقع ولا في الوجدان والتصوّر لشمول الوجود للخارجيّ ، والذهنيّ فلا يتوهم أنه لو قال : لا يتصوّرون كان أبلغ وبكون المراد بالجنة جميعها اندفع ما قيل : إنّ أهل الجنة بلا شك متفاوتو الدرجات كما ورد في الأحاديث الصحيحة لكن أحدهم لا يبغي غير مرتبته لما خلق اللّه فيهم من محبة كل لمنزلته حتى لا يطلب منزلة غيره كالأنبياء عليهم الصلاة والسّلام فوجدان الأطيب لا يستلزم طلبه وعدم التحوّل لا يدلّ على أنه لا مزيد عليه فالظاهر أنّ قوله : لا يبغون عنها حولا كناية عن كونها أعلى المنازل وأطيب وكلام الكشاف لا يأباه ، ومن قال : إنّ الإشكال مبنيّ على أنّ الفردوس أعلى الجنة فالظاهر أنّ المراد به مطلق الجنة لم يطبق المفصل ولم يصب المحز ، وقوله : تنازعهم إليه أنفسهم بمعنى تطالبهم وتجاذبهم كما ترى في أحوال الدنيا . قوله : ( ويجوز أن يراد به تأكيد الخلود ) عدم ابتغاء التحوّل على ما قبله عبارة عن كونها أطيب المنازل وأعلاها ، وهو معنى آخر غير الخلود ولا يستلزمه حتى يؤكده كما قيل ، وعلى هذا هو عبارة عن نفي التحوّل والانتقال فإنّ عدم طلب الانتقال مستلزم للبقاء فيؤكده ، ويجوز أن يكون على حدّ قوله :ولا ترى الضبّ بها ينحجرأي لا يتحوّل عنها حتى يبغوه ولما كان طول المكث يورث الملل ذكره لإفادة أنها مع الخلود لا تملّ فلذا عطف عليه مع كونه مؤكدا ، وقيل في وجه التأكيد إنهم إذا لم يريدوا الانتقال لا ينقلون لعدم الإكراه فيها وعدم إرادة النقلة عنها لم يبق إلا الخلود إذ لا واسطة بينهما كما قيل . قوله : ( وهو اسم ما يمدّ به الشيء ) لأنّ فعالا وضعه لما يفعل به كالآلة والحبر بالكسر المداد الذي يكتب به والسليط بالإهمال الزيت ودهن كل حب كالسمسم ، وقوله : ما يمدّ به الشيء هذا أصل معناه ثم اختص في عرف اللغة بما ذكر بل بالحبر وحده ، وقوله :
لكلمات ربي أي معدّا لكتابتها ، وقوله : لكلمات علمه وحكمته أي للكلمات التي يعبر بها عن معلوماته وحكمته فالإضافة لامية لا بيانية . قوله : ( لنفسد جنس البحر بأسره ) يعني أنّ تعريفه للجنس الاستغراقيّ أي جميع البحار لا بحر واحد ، وقوله : لأنّ كل جسم متناه تعليل لنفاده لأنّ كل متناه منفد كما قيل :
جبال الكحل تفنيها المراود
والتقدير وكتب بذلك المداد لنفد الخ . قوله : ( فإنا غير متناهية الخ ) إشارة إلى دفع ما يتوهم كما أورده بعض شراح الكشاف من أنّ مضمون الآية أنه على تقدير أن يكون البحر مدادا لها تنفد لأنه أثبت نفاد البحر قبل نفادها على ذلك التقدير فإذا ثبت نفاد البحر قبل نفاد الكلمات ثبت نفادها بعد نفاد ضرورة استلزام القبلية للبعدية لتقابلهما وتضايفهما لكن قوله