لأنه في الأصل مصدر سمي به حدث يحدثه الناس ، وقيل : بالعكس وبين هاهنا مفعول به وهو من الظروف المتصرّفة
وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا
لغرابة لغتهم وقلة فطنتهم وقرأ حمزة والكسائي لا يفقهون أي لا يفهمون السامع كلامهم ولا يبينونه لتلعثمهم فيه
قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ
أي قال مترجمهم : وفي مصحف ابن مسعود قال الذين من دونهم
إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ
قبيلتان من ولد يافث بن نوح ، وقيل : يأجوج من الترك ومأجوج من
شرح
تقابلا وأسند أحدهما للّه والآخر لغيره ، أمّا إذا قرئ بهما على الانفراد فالظاهر توافقهما وكيف يوجه الأوّل بعدم ذكر الفاعل مع أنّ المصدر لم يذكر فاعله أيضا والحدوث مشترك بينهما ، فلا يظهر للفرق وجه إلا بتكلف ولذا ذهب بعضهم إلى العكس بناء على أنّ المصدر لم يذكر فاعله والمضموم بمعنى مفعول ، والمتبادر منه أنه ما فعله الناس كما يقال : مصنوع وضعفه ظاهر ، ألا ترى قوله : وكان أمر اللّه مفعولا وأنه يقال مصنوعات اللّه ، وحذف الفاعل له وجوه أخر . قوله :
( وبين ههنا مفعول به ) على الاتساع وقيل : إنه ظرف والمفعول به محذوف وهو ما أراده أو غرضه . قوله : ( لغرابة لغتهم ) وبعدها عن لغات غيرهم ، وعدم مناسبتها لها إذ لو تقاربت فهموها وأفهموا غيرهم فهو تفسير له بلازم معناه كما وقع التفسير به في الأثر واختاره إشارة إلى أنّ مآل القراءتين واحد ومن لم يقف على مراده قال إنه يناسب القراءة الآتية ، إلا أن يقال : أراد لغتهم التي يعرفونها سواء كان لسانهم أو لا ، وتكلف ما نحن في غنية عنه ، وقولا عامّ لما عدا أقوالهم ولغاتهم أو أراد به قول اتباع ذي القرنين والقول على ظاهره والزمخشريّ جعله مجازا عن الفهم مطلقا أو عما من شأنه أن يقال : ليشمل الإشارة ونحوها ففسره بقوله : لا يكادون يفقهونه إلا بجهد ومشقة من إشارة ونحوها لئلا يخالف ما بعده ، وفيه نظر لما سيأتي من تفسيره ، وقوله : وقلة فطنتهم حتى يفهمون ما يراد من القول بالقرائن وحتى يتعلمون لغتنا فإنهم مع عدم المخالطة لا يمكن تعلمها في زمن قليل للفطن والترجمة من آخر ناشئة من قلة الفهم فلا يرد عليه أنّ المترجم كاف في ذلك ، وقوله : لتلعثمهم تفعل من اللعثمة بالثاء المثلثة ومعناها التوقف في الكلام وقراءة حمزة من الأفعال كالإفهام أي لا يفهمون ويفصحون بجواهر الحروف فالقول على ظاهره لا مدلوله فإنهم لتلعثمهم لا تتبين حروفهم كما نشاهده في بعض الألسنة . قوله : ( قال مترجمهم ) الترجمة تفسير لغة بلغة أخرى ، وتطلق على التبليغ مطلقا كما في قوله :إنّ الثمانين وبلغتها * قد أحوجت سمعي إلى ترجمان . . .وإنما قدره كذلك أو جعل الإسناد فيه مجازيا بجعل قول الترجمان بمنزلة قولهم : لقيامه مقامهم واتحادهما في المقصود ليوافق ما قبله من أنهم لا يفهمون ولا يفهمون ، وقوله : الذين من دونهم أي القوم الذي تقرب بلادهم من بلادهم فإنهم يعرفون لغتهم ولغة غيرهم لوقوع بلادهم بين بلاد الفريقين فهم واسطة مترجمون بينهم ، وهذا يدل على هذا التأويل ويرجحه على التأويل الآخر ، ولذا اقتصر عليه وقد وقعت المخالفة أيضا بأنّ اللّه تعالى علّم ذا القرنين