وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ
أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان لأنّ أن أذكره بدل من الضمير وقرئ أن أذكر له وهو اعتذار عن نسيانه بشغل الشيطان له بوساوسه والحال وإن كانت عجيبة لا ينسى مثلها لكنه لما ضري بمشاهدة أمثالها عند موسى وألفها قلّ اهتمامه بها ولعله نسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار وانجذاب شراشره إلى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة وإنما نسبه إلى الشيطان هضما لنفسه أو لأنّ عدم احتمال القوّة للجانبين واشتغالها بأحدهما عن الآخر يعدّ من نقصان
وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً
سبيلا عجبا ، وهو كونه كالسرب أو اتخاذ أعجبا والمفعول الثاني هو الظرف ، وقيل هو مصدر فعله
شرح
قوله : ( فقدته أو نسيت ذكره ) يعني أنّ النسيان إمّا مجاز عن الفقد بعلاقة السببية أو على حقيقته بتقدير مضاف فيه ، وقوله : بما رأيت منه الباء للملابسة وهو حال من الضمير المضاف إليه .
قوله : ( لأنّ أن أذكره ) وفي نسخة فإنّ وهما بمعنى وهو تعليل لأنه المراد إذ البدل هو المقصود بالنسبة وهو بدل اشتمال وأن أذكر له من التذكير وهو بدل أيضا وقوله : وهو اعتذار رأي على القراءتين وقوله : لما ضري بالضد المعجمة والراء المهملة معتل الآخر معناه هنا اعتاد وهذا بيان لأنّ مثله من الأمور الخارقة إذا شوهدت لا تذهب عن الخاطر . قوله : ( ولعله نسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار الخ ) أي أنّ شدّة توجهه إلى اللّه أذهلته عما ذكر وإن كان مثله لا ينسى وشراشره بمعنى نفسه أو جملته فإنه من جملة معانيه ، وعراه بمعنى غشيه وعرض له . قوله :
( وإنما نسبه إلى الشيطان الخ ) قيل عليه أنه يلزمه على كلا الوجهين الكذب وهو لا يناسب يوشع ولا ضرورة إلى التكلف بإثبات التجوز ولو كان كما ذكره المصنف كان المناسب أن يقال : بدله لم أستطع تذكره فإنّ فيه هضم نفسه مع الاختصار ولا يخفى أنّ ما ذكره توجيه له على ما اختاره بقوله : ولعله فإنه إذا كان ذهوله لانجذابه لحضرة القدس كان أمره فيه رحمانيا لا شيطانيا فإسناد إلا نساء إليه وفاعله الحقيقي هو اللّه والمجازي هو الجذبات المذكورة هضما لنفسه بجعل تلك الجذبات لشغلها عن التيقظ للموعد الذي ضربه اللّه بمنزلة الوساوس ، ففيه تجوّز باستعارة الشيطان لمطلق الشاغل ، وهذا كحديث أنه ليغان على قلبي فأستغفر اللّه في اليوم سبعين مرّة أو هو مجاز عن النقصان لكونه سببه ونقصانه بترك المجاهدات والتصفية حتى لا تشغله تلك الجذبات عن الأمور الخارجية فأيّ كذب في هذا يتطرّق إليه القيل والقال وهذا مما بنبهك على حسن سلوك المصنف : ومن الناس من لم يقف على مراده فأورد ما ذكر من عنده وقال : إنه كذب إلا أن يكون مجازا عن إني مقصر في أموري أو كأنني إنساني الشيطان لعدم كمالي وكذا ما قيل في دفعه أنه كناية أو مجاز عن عدم الاغترار ، والافتحار . قوله :
( سبيلا عجبا ) قيل إنه يتعين التقدير الآخر وأمّا هذا ففيه أنّ أكثر العجب ليس بحال السبيل وأيضا لو كان المعنى هذا القيل واتخذ في البحر سبيلا عجبا ، ورد بأنه لم يدّع ما ذكر أحد وأنّ كون حال السبيل عجبا يكفي لصحته وإنّ أداء المعنى باللفظ المذكور في النظم أو في لحق البلاغة لأنّ في ذكر السبيل ثم إضافته إلى ضمير الحوت ثم جعل في البحر حالا من المضاف