الْآخِرَةِ
وعد عقوبة المرّة الآخرة
لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ
أي بعثناهم ليسؤوا وجوهكم أي ليجعلوها بادية آثار المساءة فيها فحذف لدلالة ذكره أوّلا عليه ، وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر ليسوء على التوحيد والضمير فيه للوعد أو للبعث أو للّه ، ويعضده قراءة الكسائي بالنون ، وقرىء لنسوأن بالنون والياء والنون المخففة والمثقلة وليسوا أن بفتح اللام على
شرح
إساءتها راجعة إليها ، وقيل إنه تهكم وقيل إنها بمعنى على كما في قوله :فخرّ صريعا لليدين وللفموقيل إنها للاستحقاق كما في قوله : لهم عذاب ، وفي الكشاف أنها للاختصاص قيل :
وهو مخالف في الآثار من تعدّى ضرر الإساءة إلى غير المذنب إلا أن يقال : إنّ ضرر هؤلاء القوم من بني إسرائيل لم يتعدهم ولا حاجة لمثله من التكلف لأنّ الثواب والعقاب الأخرويين لا يتعدّيان وهما المراد هنا ، والإحسان والإساءة بمعنى الأنعام وضدّه وإحسان العمل وما يخالفه قيل والمراد هنا الثاني لا الأعمّ الشامل لهما وهو فعل ما يستحسن له أو لغيره والألم يلائمه كلام علي كرّم اللّه وجهه المنقول في الكشاف والظاهر أنّ المراد هو الأعمّ إذ هو أنسب وأتم ، ولذا قيل إنّ تكرير الإحسان في النظم دون الإساءة إذ قيل فلها دون فإساءتكم لها إشارة إلى أنّ جانب الإحسان أغلب وأنه إذا فعل ينبغي تكراره بخلاف ضدّه فتأمّل . قوله : ( بعثناهم ليسؤوا ) إشارة إلى أنه متعلق بجواب إذا المحذوف لدلالة ما قبله عليه كما صرّح به في قوله : فحذف الخ ، وقوله : بادية آثار المساءة فيها بنصب بادية منونا ورفع آثار به يعني أنه عدى المساءة إلى الوجوه وإن كانت عليهم لأنّ آثار الأعراض النفسانية إنما تظهر في الوجه كنضارة الوجه وإشراقه بالفرح وكلوحه وسواده بالخوف والحزن ، فالوجه عبارة عن الذات لظهور الآثار فيه فهو مجاز مرسل وقيل إنه استعارة تبعية ، وقيل : الوجوه بمعنى الرؤساء وهو تكلف واختير هذا على ليسوؤكم مع أنه أخصر وأظهر إشارة إلى أنه جمع عليهم ألم النفس والبدن المدلول عليه بقوله وليتبروا ، وقوله : للوعد أي بمجيء وقت العقوبة أو للبعث المدلول عليه بما مرّ والإسناد مجازي بخلافه في الوجه الأخير ، وقوله : بالنون أي في أوّل المضارع وهذه القراءة مناسبة لقوله : بعثنا وما معه والضمير في القراءة المشهورة للعباد والقراءات على ما في شرح الشاطبية محصلها أنّ الحرميين وأبا عمرو وحفصا قرؤوا بالياء وضم الهمزة وواو ممدودة ، وابن عامر وشعبة وحمزة بالياء وفتحها والكسائي بالنون والفتح أمّا على قراءة النون فاللام لام الأمر دخلت على المتكلم كما في قوله : ( ولنحمل خطاياكم ) وجواب إذا هو الجملة الإنشائية على تقدير الفاء وكذا إذا كان بالياء ، وقيل : اللام على هذه القراءة يجوز أن تكون لام الأمر ، وقوله : على الأوجه الأربعة أي النون والياء في أوّله مع التثقيل والتخفيف ، وقوله على أنه جواب إذا أي والفاء محذوفة لأنّ الجمل الإنشائية لا تقع جوابا بدونها والضمير للعباد على حدّ عندي درهم ونصفه والمراد به في الأخيرة أنه في معنى الجواب لأنّ اللام المفتوحة قسمية وجواب القسم