ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا لا ضرب على أنه بمعنى صيره
أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ
فالتف بسببه وخالط بعضه بعضا من كثرته وتكاثفه أو نجع في النبات حتى روي ورف ، وعلى هذا كان حقه فاختلط بنبات الأرض لكن لما كان كل من المختلطين موصوفا بصفة صاحبه عكس للمبالغة في كثرته
فَأَصْبَحَ هَشِيماً
مهشوما مكسورا
تَذْرُوهُ
شرح
أي المثل بمعنى المشبه به أو الوصف الغريب جملة قوله : كماء الخ وهو إشارة إلى أنه خبر مبتدأ مقدّر ولم يقل هي لأن الحياة وحدها ليست مشبهة كما أشار إليه قبله ومن قدر هي تسمح فيه ، فما قيل إن الظاهر أن يقول هي لأن المشبه هو الحياة كما ذكره فقد غفل عن مراده .
قوله : ( ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا لا ضرب على أنه بمعنى صير ) وهذا هو القول الثاني فيه للنحاة وهو أنه ينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر وهل يشترط أن يكون أحدهما لفظ المثل أو لا فيه خلاف مذكور مع أدلته في مفصلات العربية وليس هذا مجازا بعلاقة اللزوم كما قيل ، وما توهم من أن الكاف تنبو عنه إلا أن تكون مقحمة مما لا وجه له لأن المعنى صير المثل هذا اللفظ فالمثل بمعنى الكلام الواقع به التمثيل ، وقد تبع فيه من قال إن المعنى على هذا ما يشبه الحياة الدنيا كماء الخ وليس بمنتظم ثم ذكر كلاما مختلا جوابه السكوت عنه . قوله : ( فالتف بسببه وخالط بعضه بعضا ) يعني أن النبات لكثرته بسبب كثرة سقيه التف بعضه ببعض ففاعل التف ضمير النبات ، وتكاثفه بمعنى غلظه وكثرة أوراقه ، ونجع بمعنى دخل كما وقع في نسخة أخرى من النعجة وهي الارتحال والحركة كما قال :
سمعت الناس ينتجعون غيثا
فمن فسره هنا بمعنى نفع من قولهم : نجع فيه الدواء إذا نفعه لم يصب وإذ دخل فيه فقد خالط أجزاءه حقيقة ، وقيل : إن لفظ الاختلاط مجاز من ذكر السبب وإرادة المسبب وفيه نظر وروي كرضي أي تم شربه ، ورف بمعنى تحرّك بلطف لرطوبته ونضرته كما قال :وهل رفت عليك قرون ليلى * رفيف الأقحوانة في نداهاقوله : ( وعلى هذا كان حقه ) لما كان الاختلاط اجتماع شيئين متداخلين سواء كانا مائعين أو لا فإن كانا مائعين سمي مزجا وصدق بحسب الوضع على كل منهما أنه مختلط ومختلط به لكن في عرف اللغة والاستعمال تدخل الباء على الكثير الغير الطاري فلذا جعل هذا من القلب ولما كان القلب مقبولا إذا كان فيه نكتة أشار إلى نكتته بعد ما بين المصحح له وهو أن كلا منهما مختلط ومختلط به ، وهي المبالغة في كثرة الماء حتى كأنه الأصل الكثير ، وقوله :
موصوفا بصفة صاحبه أي بصفته الخاصة به الراجعة إلى مقامه وهي كونه مختلطا أو مختلطا به لا بجميع صفاته لظهور وعدم صحته وإرادته هنا ، والمراد بالعكس في كلامه القلب لأنه يستعمل بمعناه ، وقد عرفت أن قوله : لما الخ بيان للمصحح ، وقوله : للمبالغة بيان للمرجح فلا وجه لما قيل إنه لا فائدة في الجمع بينهما وهو ظاهر غنيّ عن البيان .
قوله : ( مهشوما ) أي هو فعيل بمعنى مفعول لا جمع هشيمة كما في الكشاف ، وقوله :