تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
مرجعا وعاقبة لأنها فانية وتلك باقية ، وإنما أقسم على ذلك لاعتقاده أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه لاستئهاله واستحقاقه إياه لذاته وهو معه أينما يلقاه
قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ
لأنه أصل مادّتك أو مادة أصلك
ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ
فإنها مادتك القريبة
ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا
ثم عدّ لك وكملك إنسانا ذكرا بالغا مبلغ الرجال ، جعل كفره بالبعث كفرا
شرح
من الانقلاب بمعنى الرجوع كقوله : انقلب إلى أهله وأنّ المراد عاقبة المآل لأنّ خيريته تتحقق بذلك . قوله : ( لأنها فانية وتلك باقية ) نسبة للفناء إليها إن كان المراد بالأبد المكث الطويل فلا إشكال فيها وإن كان المراد به ظاهره فهو بناء على اعتقاد صاحبه كما أشار إليه بقوله : كما زعمت فلا ينافيه أيضا ، كما لا ينافي إنكاره للبعث أو شكه فيه . قوله : ( وإنما أقسم ) كما يدلّ عليه اللام الموطئة للقسم وهو دفع لأنّ التأكيد بالقسم يقتضي عدم تردّده في البعث والمذكور خلافه بأنّ التأكيد لوجدانه الخير ، لو وقع ما فرض لأنه مستحق له استحقاقا ذاتيا لا يتخلف عنه لو وقع وهو لا ينافي كون وقوعه غير معلوم ، وقوله : وهو معه أي الاستحقاق المذكور والظاهر أن معنى قوله أينما يلقاه أينما كان يلقاه فيلقي ما يترتب عليه والضمير للاستحقاق أيضا لا للّه ، كما قيل . قوله : ( لأنه أصل مادّتك أو مادّة أصلك ) لأنّ مادّته النطفة وهي من الأغذية المتكوّنة من التراب ، فهو أصل لها ، وكونه مادّة أصله لأنّ أباه آدم عليه الصلاة والسّلام خلق منه فعلى الأوّل إسناد الخلق إليه منه حقيقيّ لأنّ المخلوق من المخلوق من شيء مخلوق منه إذ لم يتعين إرادة المبدأ القريب حتى يكون مجازا ، وكونه مبنيا على صحة قياس المساواة خيال واه ، وعلى الثاني مجاز من إسناد ما للسبب إلى المسبب وفي كلامه حسن تعبير كقوله : عادات السادات سادات العادات . قوله : ( ثم عدّلك وكملك ) أصل معنى التسوية جعل الشيء سواء مستويا كما في تسوّى بهم الأرض ثم إنه استعمل تارة بمعنى الخلق والإيجاد كقوله : ونفس وما سوّها فإذا قرن بالخلق ونحوه فالمراد به خلقها على أتمّ حال وأعد له مما تقتضيه الحكمة بدون إفراط ولا تفريط كما يؤخذ من كلام الراغب وغيره فلا يرد عليه قوله تعالى فسوّاك فعدلك إذ العطف يقتضي التغاير والتفسير الاتحاد . قوله : ( جعل كفره بالبعث كفرا باللّه ) أورد عليه أمران ، الأوّل : أنّ هذا وإن كان عليه الأكثر لكن الظاهر أنه كان مشركا كما يدلّ عليه قول صاحبه تعريضا به ولا أشرك بربي أحدا ، وقوله : يا ليتني لم أشرك بربي أحدا وليس في قوله : إن رددت إلى ربي ما ينافيه لأنه على زعم صاحبه كما مرّ الثاني أنه لا يلزم من الشك في البعث أو إنكاره الشك في كمال القدرة الإلهية أو إنكاره لجواز وجود كمال القدرة على ذلك ولكنه لا يفعله لأمر اقتضته حكمته أو لغير ذلك ، وجوابه أنّ ما ذكر هو مقتضى السياق لأنه وقع ردّا لقوله ما أظنّ الساعة قائمة ، ولذا قال في الكشاف جعله كافرا باللّه جاحدا لأنعمه لشكه في البعث ، كما يكون المكذب بالرسول كافرا ، ثم إنّ كونه منكرا للبعث مقرّا بربوبية اللّه لا ينافي كونه مشركا عابدا للصنم ونحوه كما قالوا : ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى اللّه وأنكروا البعث أيضا وأمّا إنّ من عجز اللّه عن البعث سوّاه بخلقه في العجز وهو شرك فتكلف لا حاجة إليه فأمّا كونه