فأخبركم ولم يستثن فأبطأ عليه الوحي بضعة عشر يوما حتى شق عليه وكذبته قريش ، والاستثناء من النهي أي ولا تقولنّ لأجل شيء تعزم عليه إني فاعله فيما يستقبل إلا بأن يشاء اللّه أي إلا ملتبسا بمشيئته قائلا إن شاء اللّه أو إلا وقت أن يشاء اللّه أن تقوله بمعنى أن يأذن
شرح
تأديب ، وقوله : فسألوه فقال في نسخة فقال بدون فسألوه فالفاء فصيحة . قوله : ( ولم يستثن ) أي لم يقل إن شاء اللّه فإنّ الاستثناء يطلق على التقييد بالشرط في اللغة والاستعمال كما نص عليه السيرافيّ في شرح الكتاب ، قال الراغب : الاستثناء رفع ما يوجبه عموم سابق كما في قوله : قل لا أجد فيما أوحى إليّ محرّما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو رفع ما يوجبه اللفظ كقوله : امرأته طالق إن شاء اللّه ا ه ، وفي الحديث من حلف على شيء فقال : إن شاء اللّه فقد استثنى « 1 » فما قيل إنّ كلمة إن شاء اللّه تسمى استثناء لأنه عبر عنها هنا بقوله : إلا أن يشاء اللّه ليس بسديد ، وكذا ما قيل إنها أشبهت الاستثناء في التخصيص فأطلق عليها اسمه ، وقوله :
بضعة عشر يوما في السير أنه في قول ابن إسحاق : خمسة عشر يوما وفي سير النعمى أنه أبطأ عنه ثلاثة أيام ، وقوله : وكذبته أي شنعت في تكذيبه واستمرت عليه . قوله : ( والاستثناء من النهي أي ولا تقولنّ لأجل شيء ) يعني أنّ اللام لام الأجل والتعليل لا لام التبليغ ، وقوله : تعزم عليه تخصيص للشيء بقرينة المقام ، وقوله : فيما يستقبل إشارة إلى أنّ اسم الفاعل مراد به الاستقبال لأنه حقيقة فيه وإلى أنّ الغد ليس المراد به اليوم الذي يلي يومك بعينه بل ما استقبلك مطلقا قيل ولا مانع من إرادة ذلك ، وقوله : إلا بأن يشاء اللّه إشارة إلى أنه استثناء مفرغ من أعم الأحوال المقدرة بعده وفيه باء ملابسة مقدّرة قبل أن أي لا تقولنّ إني فاعل شيئا غدا ملتبسا بحال من الأحوال إلا ملتبسا بحال مشيئة اللّه أي بأن تذكرها فتقول إني فاعله إن شاء اللّه ، فقوله : ملتبسا إشارة إلى أنّ الجار والمجرور حال ، وقوله : قائلا تفسير لمعنى الملابسة بينه وبين المشيئة ، وقيل إنه إشارة إلى أنّ فيه مضافا مقدّرا أي بذكر مشيئة اللّه ، قال في الكشف لأنّ التباس القول بحقيقة المشيئة محال ، ورد بأنّ معنى التباسه بها تعلقها على مذهب أهل الحق لا الالتباس الحسي فالصواب أن يقال : إنه لو أريد الالتباس بحقيقة المشيئة لم يبق للنهي معنى إذ كل موجود كذلك ، وفيه أنّ ما ذكره ليس من التباس حقيقة المشيئة في شيء بل هو التباس متعلقها وفرق بينهما ، مع أنه أيضا غير صحيح لما ذكره فهو تأييد له لا ردّ عليه فتدبر .
قوله : ( أو إلا وقت أن يشاء اللّه أن تقوله ) فهو أيضا استثناء مفرّغ من النهي والمستثنى منه أعم الأوقات لا من أعم الآلات والأسباب كما توهم ، أي لا تقل ذلك في وقت من الأوقات إلا في وقت تذكر فيه مشيئة اللّه فالمصدر المؤول مقدّر بالزمان وفسر المشيئة على هذا الوجه بالإذن من اللّه لأنّ وقت مشيئة اللّه لشيء لا تعلم إلا بإعلامه به وإذنه فيه ، وعلى هذا فمعنى
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي 1532 ، والنسائي 7 / 30 - 31 ، وابن حبان 2104 ، وأحمد 2 / 309 ، وعبد الرزاق 16118 ، وابن حبان 4341 كلهم من حديث أبي هريرة وإسناده صحيح .