تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
الأقوال الثلاثة لأهل الكتاب والقليل منهم .
فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً
فلا تجادل في شأن الفتية إلا جدالا ظاهرا غير متعمق فيه ، وهو أن تقص عليهم ما في القرآن من غير تجهيل لهم والرد عليهم
وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً
ولا تسأل أحدا منهم عن قصتهم سؤال مسترشد فإنّ فيما أوحي إليك لمندوحة عن غيره مع أنه لا علم لهم بها ولا سؤال متعنت تريد تفضيح المسؤول منه وتزييف ما عنده فإنه مخل بمكارم الأخلاق
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
نهى تأديب من اللّه تعالى لنبيه حين قالت اليهود لقريش سلوه عن الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين فسألوه فقال : ائتوني غدا
شرح
فيمدحوا به لكثرته في رعاء الشاء فيلاحظ فيه معنى وهو أنّ أخس الحيوانات تصدّي لحفظهم وبذل نفسه في ملازمة أعتابهم حتى التحق بهم وعدّ معهم وتشرف بذكر اللّه له ، ولذا قال خالد بن معدان : ليس في الجنة من الدواب إلا كلب أهل الكهف وناقة صالح وحمار العزيز ، وقال بعضهم : من أحب أهل الخير نال بركتهم . . . كلب أحب أهل فضل وصحبهم فذكره اللّه معهم في القرآن ، فالتنظير في مجرّد ذكر أمر عام يلوّح إلى أمر خاص هو المقصود منه والداعي إلى ذكره وبهذا يتعين كونه صفة في الآية والحديث لأنه الأصل في الجمل المادحة فهو نظيره مع قطع النظر عن الصفتين والموصوفين ، ولذا قال : كلا ولا ولم يذكر التثمين لاحتماله التلقين كما مرّ ، قال : في قوانين البلاغة من محاسن الكلام نوع يقال له التتبيع وهو أن يتجاوز عن المذكور إلى معنى آخر ، كقوله :نؤم الضحا لم تنتطق عن تفضلأراد أنها مترفة مخدومة من بنات ذوي النعم وإلا فلا مدح فيه ، وهذا ما أشار إليه قدّس سره وإنما أطلنا ذيول الكلام فيه للحمية العلمية فإن بعض أهل العصر لم يفهمه فشنع عليه قائلا أنه سوء أدب يؤدّي إلى الافتضاح في يوم تشخص فيه الأبصار حيث قابل جناب رب العالمين بأخس مخلوقاته وكفره بهذا ونسب إليه ما لا يصدر عن عاقل فضلا عمن كان في عصره صدر الأفاضل ، وكتابه المذكور يقرأ وينسخ على صفحات الدهور . قوله : ( فلا تجادل في شأن الفتية الخ ) فسر المماراة بالمجادلة وقد فرق بينهما الراغب بأنّ المجادلة المحاجة مطلقا والممارة المحاجة فيما فيه مرية أي تردّد لأنها من مريت الناقة إذا مسحت ضرعها للحلب ، وقوله : من غير تجهيل لهم أي تصريح بذلك وإن كان في قص ما يخالفهم ذلك ، وقوله : ولا تسأل أحدا منهم عن قصتهم الخ لأنّ السؤال إما للاسترشاد أو للتعنت وكلاهما غير لائق بمقامه صلّى اللّه عليه وسلّم ، كما أشار إليه ، وأمّا كونه لتطييب خواطرهم أو ليظهر عدم علمهم فيرشدهم إليه كما يسأل الأستاذ تلميذه عن مسألة ثم يذكرها له فلا منع منه إن اقتضته الحال ، والمندوحة السعة والمراد بها هنا الغني عنه ، والتزييف بيان زيف الدراهم أي مغشوشها وهو هنا بمعنى الردّ استعارة منه . قوله : ( نهى تأديب ) أي المقصود تعليمه ذلك كما سيبينه وقوله : حين قالت الخ ظرف قوله : نهى