ليسأل بعضهم بعضا فيتعرّفوا حالهم ، وما صنع اللّه بهم فيزدادوا يقينا على كمال قدرة اللّه تعالى ويستبصروا به أمر البعث ويشكروا ما أنعم اللّه به عليهم
قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
بناء على غالب ظنهم لأنّ النائم لا يحصي مدّة نومه ولذلك
شرح
فالمشبه الإيقاظ والمشبه به الإنامة المفهومة من قوله : وهم رقود ووجه الشبه كون كل منهما آية على قدرته الباهرة كما أشار إليه المصنف رحمه اللّه . قوله : ( فيتعرّفوا حالهم الخ ) قيل تعرّف الحال لم يترتب على التساؤل كما يدلّ عليه الفاء بل على البعث إلى المدينة ، وأجيب بأنّ التساؤل أدّى إلى البعث المرتب عليه فهو سبب بعيد أو سبب السبب وهو سبب يكفي لمثله ، وبه تبين أنّ البعث علة للتساؤل وأنه لا حاجة إلى جعل اللام للعاقبة وفيه نظر لأنّ من قال إنها للعاقبة وهو الظاهر لاحظ أنّ الغرض من فعله تعالى إظهار كمال قدرته لا ما ذكر وقوله :
ويستبصروا في أمر البعث أي يكونوا على بصيرة فيه ، فإن قلت هم مؤمنون وهذا يقتضي شكهم في البعث وهو كفر ، قلت : هم متيقنون له وإنما اختلفوا في كونه روحانيا أو لا وفي كيفيته كما روي عن عكرمة من طرق أنهم كانوا أولاد ملوك اعتزلوا قومهم في كهف فاختلفوا في بعث الروح والجسد فقال قائل : يبعثان وقائل : تبعث الروح فقط ، وأمّا الجسد فتأكله الأرض فأماتهم اللّه ثم أحياهم الخ كما في شرح البخاريّ ، وما أنعم اللّه به عليهم إيواؤهم إلى الكهف وزيادة يقينهم وغيره مما وقع لهم . قوله : ( بناء على غالب ظنهم الخ ) فلا يكون كذبا بناء على أن مرجع الصدق والكذب اعتقاد المخبر فإن رجع إلى مطابقة الواقع وعدمها فلا شك في أنه كذب ، كذا قيل وليس بشيء لأنه لا كذب فيه على المذهبين أمّا الأوّل فظاهر ، وأمّا الثاني فلأنه مجاز عن لازمه ، وهو لم يتحقق مقداره كما ذكره أهل المعاني في قول النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لذي اليدين رضي اللّه عنه : كل ذلك لم يكن « 1 » وهو هنا أظهر لكون أو للشك كما أشار إليه المصنف رحمه اللّه بقوله : فإنّ النائم لا يحصي مدّة نومه الخ ، وكونه بناء على ظنهم الغالب قيل معناه من غير نظر إلى القرائن الخارجية كقرب الشمس من الغروب أم لا ، ثم لما نظروها بعيدة منه قالوا أو بعض يوم فلا يرد الاعتراض بأنهم إن كان نومهم في ذلك ليوم فهو بعض يوم ، وإن كان في اليوم الذي قبله فهو يوم وبعض يوم فلا يتوجه ما في النظم ، وهذا يقتضي أن أو فيه للإضراب ، وإذا قلنا إنها للشك وإنه مجاز عن إنا لم نتحقق مقداره كما مرّ لم يرد عليه شيء ، نعم على كلام المصنف رحمه اللّه معناه أنّ غالب الظنّ أنه زمن قليل ، وأمّا ما قيل في الجواب إنهم لما ظنوا أنهم في اليوم الذي بعده أرادوا أن يقولوا يوما وبعض يوم فلما قالوا : يوما اعترض عليهم احتمال أنهم في يومهم فقالوا : قبل أن يتموه أو بعض يوم فمع أنه مما لا وجه له لو كان كما زعمه ، لقال : أو وبعض يوم بالعطف ، كما لا يخفى على من له معرفة بأساليب الكلام . قوله : ( لأنّ النائم لا يحصي مدّة نومه الخ ) قيل عليه إنّ النائم وإن كان لا يحصي مدّة
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم 573 ح 99 من حديث أبي هريرة .