لأنه نوع من التولية والعلة والحال
وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً
خوفا يملأ صدرك بما ألبسهم اللّه من الهيبة أو لعظم أجرامهم وانفتاح عيونهم وقيل لوحشة مكانهم . وعن معاوية رضي اللّه عنه أنه غزا الروم فمرّ بالكهف ، فقال : لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال له ابن عباس رضي اللّه عنهما ليس لك ذلك قد منع اللّه تعالى منه من هو خير منك ، فقال : لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا فلم يسمع وبعث ناسا فلما دخلوا جاءت ريح فأحرقتهم ، وقرأ الحجازيان لملئت بالتشديد للمبالغة وابن عامر والكسائي ويعقوب رعبا بالتثقيل
وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ
وكما أنمناهم آية بعثناهم آية على كمال قدرتنا
لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ
شرح
وفيها نوع تأكيد وخطاب اطلعت إن كان لغير معين فظاهر وإن كان للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم اقتضى وجودهم على هذه الحالة الآن ، وقد قال السهيليّ : إنّ فيه خلافا وابن عباس رضي اللّه عنهما أنكره ، وآخرون قالوا به ، وقوله : بضم الواو أي بضم واو لو تشبيها لها بواو الضمير فإنها قد تضم إذا لقيها ساكن نحو رموا السهام وهي مروية عن نافع وغيره . قوله : ( خوفا يملأ صدرك ) إشارة إلى أنه تمييز محوّل عن الفاعل وكون المهابة والخوف يملآن الصدر والقلب مجاز في عظمهما مشهور في كلام العرب كما يقال في الحسن : أنه يملأ العيون والباس الهيبة استعارة مكنية وتخييلية لعظم أجرامهم خلقة كما في بعض الأمم السالفة وفي نسخة أجوافهم وهو إمّا خلقة أو بالانتفاخ ، وسكت عن قول الزمخشريّ : لطول شعورهم وأظفارهم قيل لأنه يردّه قوله : لبثنا يوما أو بعض يوم ، وليس بشيء لأنه لا يبعد عدم تيقظهم له ، والقائم من النوم قد يذهل عن كثير من أموره لا سيما إذا كان الخطاب للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إذ لا مانع من حدوثه بعد انتباههم أوّلا ، وأيضا يجوز أن لا يطلعوا عليه ابتداء حين قالوا : لبثنا يوما أو بعض يوم ثم لما تنبهوا له قالوا :
ربكم أعلم الخ ، فما قيل : من أنّ هذين القولين يعني ، كونه لعظم أجرامهم وانفتاح عيونهم أو لوحشة المكان ليسا بشيء لأنهم لو كانوا بتلك الصفة أنكروا أحوالهم ولم يقولوا يوما أو بعض يوم ولأنّ المرسل للمدينة إنما أنكر معالمها لا حال نفسه ولأنهم بحالة حسنة بحيث ظنوا نياما وهم في فجوة موصوفة بما مرّ فكيف يكون موحشا غير وارد لما عرفت ، وأمّا لأنّ وحشة المكان لبعده وكونه بعيد الغور وتغيره بمرور الزمان فلا منافاة بينه وبين ما مرّ بوجه من الوجوه ، وإنكار الرسول للمعالم لا ينافي إنكار الناس لحاله أو كونه على حالة منكرة لم يتنبه لها ، وقوله : وعن معاوية رضي اللّه عنه الخ هذا يشهد لكونه بطرسوس ويضعف ما قاله أبو حيان : من أنه بأندلس لأنّ معاوية رضي اللّه عنه لم يدخلها ، وقوله : لو كشف جواب لو محذوف أي لكان حسنا ونحوه أو هي لتمني ذلك ولا ينافي كشفه بعد ذلك ومنع اللّه يفهم من لو الامتناعية ولا حاجة إلى القول بأنه منع من النظر إليهم نظر استقصاء ، وهو الذي طلبه معاوية رضي اللّه عنه وإنما لم يطاوعه ظنا لتغير حالهم عما كانوا عليه أو طلبا له مهما أمكن ، وقوله : فأحرقتهم في نسخة أخرجتهم ، وفي أخرى أهلكتهم والمراد بالتثقيل ضم العين لثقله بالنسبة للسكون . قوله : ( ز كما أنمناهم الخ ) أي كما أنمناهم هذه الإنامة الطويلة أيقظناهم