وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
ولو تظاهروا على الإتيان ولعله لم يذكر الملائكة لأنّ إتيانهم بمثله لا يخرجه عن كونه معجزا ولأنهم كانوا وسايط في إتيانه ، ويجوز أن تكون الآية تقريرا لقوله : ثم لا تجد لك به علينا وكيلا
وَلَقَدْ صَرَّفْنا
كرّرنا بوجوه مختلفة زيادة في التقرير والبيان
لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ
من كل معنى هو كالمثل في غرابته وقوعه موقعها في الأنفس
فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً
إلا جحودا وإنما جاز ذلك
شرح
بمعنى اجتمعوا وتعاونوا . قوله : ( ولعله لم يذكر الملائكة لأنّ إتيانهم الخ ) قيل عليه لا اشتباه في كون القرآن معجزا للملك أيضا بدليل قوله : ولو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فإنه صريح في عجز غير اللّه عنه وإنما لم يذكروا لأنّ التحدّي ليس معهم والتصدّي لمعارضته لا يليق بشأنهم لأنهم معصومون لا يفعلون إلا ما يؤمرون ، فلا يناسب أن ينسب ذلك إليهم ، وأجيب عنه بأنه ليس معناه أنّ الملائكة عليهم الصلاة والسّلام يقدرون على ذلك ، بل مبناه على الفرض والتقدير لأنه مبعوث للثقلين فيكون التحدّي معهم والأولى الاقتصار على أن التحدّي كان معهم لأنه قيل بعموم رسالته صلّى اللّه عليه وسلّم للملك أيضا فيقال : لم يذكر الملك لأنّ التحدّي لم يقع معهم فيكفي في كونه معجزا عجز من تحدّاه به ، وهو مراده وما قيل إنه يلزم من هذا الفرض وهو كونه من الملك لا من اللّه عدم ثبوت الرسالة مدفوع بأنّ الملك لا يأتي بمعجزة لمفتر ، وفيه نظر لأنه يلزم أن يكون مفتريا في قوله إنه من عند اللّه فتأمّل ، وقوله ولأنهم ، كانوا وسايط فلا يلائمه قوله : لا يأتون بمثله بحسب الظاهر إذ معناه لا يأتون به من عندهم ، فمن قال لا يصح قوله لا يأتون بمثله لم يصب ، وجمع الوسايط مع أنّ الواسطة جبريل عليه الصلاة والسّلام فقط لأنّ ما جاز أن يكون لواحد من جنس يجوز أن يكون لباقيه .
قوله : ( ويجوز أن تكون الآية تقريرا الخ ) لأنّ عدم قدرة الثقلين على ردّه بعد إذهابه مساو لعدم قدرتهم على مثله لأنّ ردّه بعينه غير ممكن لعدم وصولهم إلى اللّه فلم يبق إلا رده بمثله فصرّح بنفيه تقريرا له ، فاندفع ما قيل إنه لا يصح لأنّ القدرة على الإتيان بمثله أصعب من القدرة على استرداد عينه ونفي الشيء إنما يقرّر بنفي ما دونه لا بنفي ما فوقه وإن ردّ بعدم تسليم الأصعبية ، وأمّا القول بأنّ لفظ المثل مقحم للتأكيد وأنّ القصر الذي في كلامه ممنوع فإنه يحصل بالمساواة أيضا فليس بشيء لأنّ الإقحام خلاف الظاهر وأمّا القصر فإضافيّ ، وترك ما في الكشاف من أنّ إعجاز القرآن يدلّ على حدوثه لأنه لا وجه له كما بينه شرّاحه . قوله : ( كررنا بوجوه مختلفة ) يعني أنّ أصل معنى التصريف التحويل والتغيير فالمراد به هنا تغيير الأساليب والعبارات في بعض المعاني ليزداد تقريره ورسوخه في النفوس وبيانه وما ذاك إلا ليزدادوا تدبرا وإذعانا فكان حالهم على العكس ، إذ لم يزدادوا إلا كفرا كما تزيد الفواكه المريض مرضا ، وقوله : هو كالمثل في غرابته الخ يعني أنّ المثل ليس بمعناه المعروف بل هو مستعار لكل أمر عجيب حسن الموقع كأنه بكر معن سار في مثل وهو مجاز مشهور أيضا كما مرّ ، وقوله : موقعها أي موقع الأمثال المفهومة من السياق ويجوز عوده على الغرابة . قوله : ( وإنما جاز ذلك ولم يجز