ذلك قالوا أنحن مختصون بهذا الخطاب ، فقال : بل نحن وأنتم فقالوا : ما أعجب شأنك ساعة تقول ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ، وساعة تقول هذا فنزلت ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام وما قالوه لسوء فهمهم لأنّ الحكمة الإنسانية أن يعلم من الخير والحق ما تسعه القوّة البشرية بل ما ينتظم به معاشه ومعاده وهو بالإضافة إلى معلومات اللّه التي لا نهاية لها قليل ينال به خيرا لدارين وهو بالإضافة إليه كثير
وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
اللام الأولى موطئة للقسم ولنذهبنّ جوابه النائب مناب جزاء الشرط والمعنى أن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من المصاحف والصدور
ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا
من يتوكل علينا استرداده مسطورا محفوظا
إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
فإنها إن نالتك فلعلها
شرح
الذاتيات والعرضيات وأنّ مقتضى ما ذكره أنّ التعريف بغير الذاتيات لا يفيد العلم أصلا وليس كذلك ، وأغرب منه تجويزه أن يكون قوله المعرفة مفعولا مطلقا ليدرك من غير لفظه ، وقوله :
وهو إشارة الخ أي قوله : وما أوتيتم من العلم الخ فإنّ ذكره بعده رمز إلى أنه مما لا يعلم بكنهه بل بعوارضه ككونه مخلوقا للّه ، وقوله : فلذلك أي لكونه لا يمكن معرفة ذاته اقتصر في بيان السؤال عن حقيقته بناء على أنّ السؤال عنها على ما ذكر من الجواب دون شرح الماهية إذ قال :
من أمر ربي على معنى أنه من إبداعياته وقوله : كن ، وقوله : كما اقتصر موسى الخ إلا أنّ الفرق أنّ بيان كنه الروح ممكن بخلاف كنه الذات العلية . قوله : ( فقالوا ما أعجب شأنك الخ ) تفريع للإنكار على عدم الاختصاص ، فإنه إذا عمّ الخطاب يلزم التناقض فإنه قد حكم على أنّ كل من أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا أي علما كثيرا وقد حكم بأنهم لم يعطوا عموما من العلم إلا قليلا وسيأتي دفعه فلا وجه لما قيل إنّ الفاء للتعقيب دون السببية ولك أن تجعلها لها باعتبار الجزء الثاني من الجواب ، وإنما أنكروه لأنهم أهمهم السؤال عن الاختصاص بالخطاب ، لكن قراءة الأعمش وما أوتوا من العلم إلا قليلا تقتضي اختصاصهم وأنّ هذه الرواية غير صحيحة ، كما قاله العراقي ، وقوله : ساعة متعلق بتقول والجملة تفسير لقوله ما أعجب شأنك . قوله : ( وما قالوه ) من ظنّ التناقض بين القلة والكثرة المذكورتين لأنّ القلة والكثرة من الأمور الإضافية فالشيء الواحد يكون قليلا بالنسبة لما فوقه وكثيرا بالنسبة لما تحته ، وقوله : ما تسعه القوّة وفي نسخة الطاقة أي لا كل معلوم ولا كل ما يمكن أن يعلم وقوله : بل ما ينتظم به معاشه ومعاده للإضراب عن الأوّل بتفسير الجملة بتفسير أخص من الأوّل ، وقوله : بالإضافة إليه كثير أي بالإضافة إلى الإنسان المعلوم من السياق أو إلى خير الدارين أو إلى ما ذكر من كونه ينال به ذلك ، وقوله :
النائب مناب الخ فهو يغني عن تقديره وليس جوابا لأن لدخول اللام عليه وهو ظاهر ، وقوله :
النائب مناب الخ فهو يغني عن تقديره وليس جوابا لأن لدخول اللام عليه وهو ظاهر ، وقوله :
ذهبنا بالقرآن المراد بالقرآن هنا عين صورته سواء كانت في نقوش الكتابة أو في الصور التي في القوّة الحافظة فليس فيه عموم المجاز كما قيل ، إلا أن يقال : إنّ إطلاقه على نقوش الخط حقيقة عرفية ولا حاجة إليه . قوله : ( من يتوكل علينا استرداده ) أي من يتعهد ويلتزم استرداده بعد رفعه كما يلتزم الوكيل ذلك فيما يتوكل عليه حال كونه متوقعا أن يكون محفوظا في السطور والصدور