تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
وبالغ فيه حين لا يقبل
آلْآنَ
أتؤمن الآن وقد أيست من نفسك ، ولم يبق لك اختيار
وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ
قبل ذلك مدّة عمرك
وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
الضالين المضلين عن الإيمان
فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ
نبعدك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ، ونجعلك طافيا ، أو
شرح
فرعون لعنه اللّه لما قال آمنت الخ أخذ جبريل عليه الصلاة والسّلام من حال البحر أي طينه فدسه في فيه لخشية أن تدركه رحمه اللّه تعالى فقال في الكشاف أنه لا أصل له وفيه جهالتان إحداهما أنّ الإيمان يصح بالقلب كإيمان الأخرس فحال البحر لا يمنعه والأخرى أنّ من كره إيمان الكافر وأحبّ بقاءه على الكفر فهو كافر لأنّ الرضا بالكفر كفر ورد بأنّ الرواية « 1 » المذكورة صحيحة أسندها الترمذيّ وغيره ، وإنما فعل جبريل عليه الصلاة والسّلام ما فعل غضبا عليه لما صدر منه وخوفا أنه إذا كرره ربما قبل منه على سبيل خرق العادة لسعة بحر الرحمة الذي يستغرق كل شيء وأمّا الرضا بالكفر فقد قدّمنا أنه ليس بكفر مطلقا بل إذا استحسن وإنما الكفر رضاه بكفر نفسه كما في التأويلات لعلم الهدى ، وقيل إنه صحيح لكن الرضا بكفر نفسه إنما يكون ، وهو كافر فلا معنى لعدّه كفرا والكفر حاصل قبله ومرّت مسألة من جاء ليسلم فاستمهل ، وما فيها ، وقيل عليه أنّ كون الرضا بكفر نفسه دون غيره كفرا منقولة في الفتاوى فلا وجه لانكارها وهي لا تقتضي سبق الكفر لأنه لو عزم على أن يكفر غدا كفر لرضاه بذلك وفيه أنه لم ينكرها وإنما قال إن كونها كفرا ظاهري ولا ينبغي عدّها مما يكفر به لأنه إمّا رضا بكفر سابق أو في الحال أو في المستقبل فإن رضي بكفره السابق فكما قال وإن رضي بكفر في الحال فإن كان غير الرضا صار ماضيا عنده وإن كان نفس الرضا فهو إنشاء كفر لا رضا به ، وكذا ما في المستقبل فتأمّل . قوله : ( وبالغ فيه ) لأنه أتى بثلاث جمل ، ولذا قيل إنه ينافي حال اليأس ، وقوله آمنت إنشاء لا أخبار عن إيمان ماض كما قيل ، وقوله أتؤمن الآن قدّر الفعل مقدّما لأنّ الاستفهام أولى به ، وأشار إلى أنه لا حاجة لتقديره مؤخرا ليفيد التخصيص لأن لفظ الآن مخصص دالّ على أنه لا إيمان له قبله فما قيل إنه لو أخره كان أولى لا وجه له والقائل هو اللّه وقيل جبريل عليه الصلاة والسّلام ، وقوله الضالين المضلين عن الإيمان لأنّ وصف الكافر المتصف بالكفر الذي هو أعظم من كلّ جرم بالفساد ونحوه يقتضي صرفه إلى المبالغة في كفره فلذا فسره بالضالّ بكفره المضلّ لغيره بحمله عليه . قوله : ( نبعدك مما وقع فيه قومك الخ ) ننجي على القراءة المشهورة تفعيل من النجاة وهي الخلاص مما يكره وبعد اغراقه لا نجاة له فهو إمّا مجاز عن يخرجك من قعر البحر إلى الساحل والتعبير به تهكم واستهزاء وطفا على الماء علا عليه ولم يرسب ، أو هو من النجوة والنجوة المكان المرتفع قيل وسمي به لكونه ناجيا من السيل يقال نجيته إذا تركته بنجوة أو ألقيته عليها ، وقوله ليراك بنو إسرائيل لأنّ منهم
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي 3107 - 3108 كلاهما من حديث ابن عباس والحاكم 3 / 340 . وقال الترمذي : حسن صحيح غريب وصححه الحاكم ، ووافقه الذهبي .