نفوسهم من عظمته ما خيل إليه أنه لا يهلك حتى كذبوا موسى عليه السّلام حين أخبرهم بغرقه إلى أن عاينوه مطرحا على ممرّهم من الساحل ، أو لمن يأتي بعدك من القرون إذا سمعوا مآل أمرك ممن شاهدك عبرة ، ونكالا عن الطغيان ، أو حجة تدلهم على أنّ الإنسان على ما كان عليه من عظم الشأن ، وكبرياء الملك مملوك مقهور بعيد عن مظانّ الربوبية ، وقرىء لمن خلقك أي لخالقك آية أي كسائر الآيات فإنّ إفراده إياك بالإلقاء إلى الساحل دليل على أنه تعمد منه لكشف تزويرك ، وإماطة الشبهة في أمرك وذلك دليل على كمال قدرته ، وعلمه وإرادته ، وهذا الوجه أيضا محتمل على المشهور
وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ
لا يتفكرون فيها ، ولا يعتبرون بها
وَلَقَدْ بَوَّأْنا
أنزلنا
بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ
منزلا صالحا مرضيا ، وهو الشأم ومصر
وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ
من اللذائذ
فَمَا
شرح
بعده من بني إسرائيل ، وقوله : إذ كان تعليل لجعله آية واحتياجهم إلى العلامة وأنه لا يهلك بمعنى من أنه أو هو بدل من الضمير في خيل ، ومطرحا بتشديد الطاء بمعنى ملقى والممرّ محلّ المرور ، أو لمن يأتي عطف على قوله لمن وراءك وهذا أنسب بقوله وإنّ كثيرا من الناس الآية وخلفك على الأوّل ظرف مكان وعلى الثاني ظرف زمان ، وقوله أو حجة عطف على عبرة وعلى ما كان عليه حال من ضمير مملوك وتزويره دعواه الألوهية وقوله محتمل على المشهور على القراءة بالفاء .
تنبيه : استشكل قصة فرعون بأنّ إيمانه إن كان قبل رؤية ملائكة الموت وحال اليأس فباب التوبة مفتوح فلم لم يقبل إيمانه وإن كان بعده فلا ينفعه ما ذكر من النطق والجواب ، وهو مخالف للإجماع وأجيب عنه بوجوه أحدها أنه كان دون ظهور أمر عظيم فلذا لم يقبل إيمانه ، الثاني أنه كان بعد موته كسؤال الملكين ، الثالث أنه في حال حياته لكنه علم عدم إخلاصه في اعتقاده ، ولذا قال جبريل عليه الصلاة والسّلام خشيت أن تدركه الرحمة ، والمتكلم بقوله الآن جبريل وقيل ميكائيل لأنه ملك البحار وعندي أنّ هذا كله تكلف ، وأنه إنما لم يقبل إيمانه لأنّ شرط صحته وقبوله إجابة دعوة رسول زمانه صلّى اللّه عليه وسلّم وقد عصاه ولم يجبه وبه صرّح في الكتاب الكريم في قوله عز وجلّ :فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا[ سورة المزمل ، الآية :
16 ] وهو غير مناف للحديث « 1 » . قوله : ( منزلا صالحا مرضيا الخ ) فمبوّأ اسم مكان منصوب على الظرفية ويحتمل المصدرية بتقدير مضاف أي مكان مبوّإ وبدونه وبوّأ متعدّ لواحد إذا فسر بأنزل وقد يتعدّى لاثنين فيكون مبوّأ مفعولا ثانيا ، والصدق ضدّ الكذب قال العلامة : من عادة العرب إذا مدحت شيئا أن تضيفه إلى الصدق تقول رجل صدق وقدم صدق وقال تعالى :مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍإذا كان عاملا في صفة صالحا للغرض المطلوب منه كأنهم
هامش
( 1 ) هو المتقدم .