كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ
أي بسبب تعوّدهم تكذيب الحق ، وتمرّنهم عليه قبل بعثة الرسل عليهم الصلاة والسّلام
كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ
بخذلانهم ، لانهماكهم في الضلال ، واتباع المألوف ، وفي أمثال ذلك دليل على أنّ الأفعال واقعة بقدرة اللّه تعالى ، وكسب العبد ، وقد
شرح
أهل جاهلية وقيل ضمير كانوا لقوم الرسل وكذبوا لقوم نوح عليه الصلاة والسّلام أي ما كان قوم الرسل ليؤمنوا بما كذب به قوم نوح عليه الصلاة والسّلام أي بمثله ، ويجوز أن يكون عائدا إلى نوح نفسه أي ما كان قوم الرسل بعد نوح ليؤمنوا بنوح إذ لو آمنوا به آمنوا بأنبيائهم ، ومن قبل متعلق بكذبوا أي من قبل بعثة الرسل عليهم الصلاة والسّلام ، وقيل الضمائر كلها لقوم الرسل بمعنى آخر وهو أنهم بارزوا رسلهم بالتكذيب كلما جاء رسول لجوا في التكذيب ، والكفر فلم يكونوا ليؤمنوا بما سبق به تكذيبهم من قبل لجهم في الكفر وتماديهم ، وقيل ما مصدرية والمعنى كذبوا رسلهم فكان عقابهم من اللّه أنهم لم يكونوا ليؤمنوا بتكذيبهم من قبل أي من سببه وجرائه وأيده بقوله كذلك نطبع الخ ، والظاهر أن ما موصولة لعود الضمير عليها ، وأما كون ما المصدرية اسما فقول ضعيف للأخفش وابن السراج ، وقوله لشدّة شكيمتهم الشكيم والشكيمة حديدة اللجام المعترضة في فم الفرس وفلان شديد الشكيمة على التمثيل أي أبيّ لا ينقاد فالمراد لعنادهم ولجاجهم وفي شرح الكشاف للجاربردي الشكيمة الحديدة الخ وفلان شديد الشكيمة أي شديد النفس وفلان ذو شكيمة أي لا ينقاد ا ه .
قوله : ( فما استقام لهم أن يؤمنوا الخ ) كان المنفية المقترنة بلام الجحود تدلّ على المبالغة في النفي تقديرا ، وبذلك نفي الصحة والاستقامة ، وقد يراد به لا ينبغي ولا يليق أو لا يجوز ، وقد يستعمل نفيها مطلقا لذلك وصرح به الإمام البغوي في غير هذا المحل لا يقال لعله إنما حمل على نفي الاستقامة لأنّ أصل المعنى نفي كون إيمانهم المستقبل في الماضي ، ومآله إلى نفي القابلية والاستعداد لأنه قيل إنه مدفوع بجعل صيغة المضارع للحال ، ويحمل على زمان إخباره تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم فالمعنى ما حصل لهم أن يؤمنوا حال مجيء البينات فيكون زمان عدمه بعد زمان اعتبار عدم الإيمان . قوله : ( أي بسبب تعوّدهم تكذيب الحق وتمرّنهم عليه قبل بعثة الرسل عليهم الصلاة والسّلام ) يحتمل أنه بيان لحاصل المعنى وأنّ الباء سببية لا صلة يؤمنوا كما هو الظاهر وما مصدرية ولما كان يأباه عود الضمير عليها جعله عائدا إلى الحق المفهوم من السياق ، والمقام ولما كان فيه أنّ الكفر هو تكذيب الحق الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسّلام فلا تتضح السببية أو له بأنّ المراد بالتكذيب ما ركز في طباعهم وتعوّدوه قبل بعثة الرسل عليهم الصلاة والسّلام من تكذيب كلّ حق سمعوه وهذا سبب للسبب وهو شدّة شكيمتهم ولذا قدّمه ، ولا يخفى ما فيه من التكلف فالأظهر ما قدّمناه وقيل ما موصولة والباء للسببية أو الملابسة أي بالشيء الذي كذبوا به وهو العناد ، وقد مرّ ما قيل إنّ ضمير به لنوح عليه الصلاة والسّلام ، وقوله كذلك نطبع أي مثل هذا الطبع كما مرّ تحقيقه . قوله : ( وفي أمثال ذلك دليل الخ ) المراد بأمثال ذلك ما وقع فيه ذكر الطبع والختم والتغشية ، وما أحال عليه هو ما