تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
مرّ تحقيق ذلك
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ
من بعد هؤلاء الرسل
مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ بِآياتِنا
بالآيات التسع
فَاسْتَكْبَرُوا
عن اتباعهما
وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ
معتادين الاجرام ، فلذلك تهاونوا برسالة ربهم ، واجترؤوا على ردّها
فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا
فعرفوه بتظاهر المعجزات الباهرة المزيلة للشك
قالُوا
من فرط تمرّدهم
إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ
ظاهر أنه سحر ، وفائق في فنه واضح فيما بين أخوانه
قالَ مُوسى أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا
شرح
ذكره في أوائل سورة البقرة وقوله الأفعال أي أفعال العباد القبيحة ، أو مطلق الأفعال التي للعباد إذ لا قائل بالفصل وكونها واقعة بقدرة اللّه لإسنادها إليه وقبحها عائد إلى الاتصاف بها لا إلى إيجادها ، وخلقها كما برهن عليه في الكلام وكسب العبد لها ظاهر إذ طبع اللّه على قلبه عبارة عن منعه عن قبول الحق والإيمان ، وهو عين الكفر فقوله بخذلانهم بيان لسبب فعل اللّه بهم ذلك ، وخلقه فيهم وليس تفسيرا للطبع بالخذلان حتى ينافي الدلالة المذكورة ، فإنّ المعتزلة يفسرونه بذلك حيث وقع تطبيقا له على مذهبهم فلا غبار عليه كما توهم ، وفي الكشاف الطبع جار مجرى الكناية عن عنادهم ولجاجهم لأنّ من عاند وثبت على اللجاج خذله اللّه ومنعه التوفيق واللطف ، فلا يزال كذلك حتى يتراكم الرين والطبع على قلبه وهذا تأويل للآية ليوافق مذهبه ، وهل هو كناية أوليس بكناية لكنه جار مجراها يعرف بتدقيق النظر في كلام شرّاحه ، والآيات التسع هي العصا واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس وفلق البحر . قوله : ( معتادين الإجرام ) بفتح الهمزة وكسرها جمع ومفرد أي الذنوب العظيمة أو فعل الذنب العظيم لأنّ الجرم ما عظم منه ، وهذه الجملة معترضة تذييلية وجوّز فيها الحالية فيفيد اعتيادهم ذلك وتمرّنهم عليه لأنّ معناها أنه شأنهم ودأبهم كما يعرفه من له ممارسة بعلم البلاغة ، وكذا كونها علة لما قبلها وهو ردّهم واستكبارهم يؤخذ من ذلك كما أشار إليه المصنف رحمه اللّه ، والحمل على العطف الساذج لا يناسب البلاغة لا لتقدّم الإجرام على البعث لأنّ المراد استمرارهم وتعاونهم عليه كما فسر به . قوله :فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّجعل الحق كشخص جاءهم من اللّه على طريق الكناية والتخييل وهذا يدلّ على غاية ظهوره بحيث لا يخفى على ذي بصر وبصيرة فلهذا فسروه بعرفانهم ذلك ، وكذا وضع الحق موضع الضمير إشارة إلى ظهور حقيقته عند كلّ أحد ، وأيضا قد صرّح به في محلّ آخر بقوله وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم فلا يرد قوله في الفرائد لا دلالة في النظم على معرفتهم له ، وقولهم إنه يدلّ على أنهم بهتوا لما بهرهم منه ، وهذا غير وارد على المصنف رحمه اللّه لأنه لم يفسره به ، وإنما ذكر أنهم عرفوه بما قارنه من الآيات كما يدلّ عليه تفريعه بالفاء وهو معنى ما في الكشاف أيضا ، والمعجزات من قوله من عندنا فتدبر . قوله : ( ظاهر أنه سحر وفائق في فنه واضح فيما بين إخوانه ) يشير إلى أنّ مبين من أبان بمعنى ظهر واتضح لا بمعنى أظهر وأوضح كما هو أحد معنييه ، ولا وجه لما قيل إنّ قوله ظاهر بيان لأنّ الإشارة لنوعه وقوله وفائق في فنه بيان لأنّ الإشارة لفرد كامل كما يدلّ عليه ما بعده بل المراد أنّ ظهوره إمّا ظهور كونه سحرا في نفسه أو