ليس إلا لعنادهم ، وتمرّدهم لا جرم حقت عليهم كلمة العذاب
فَنَجَّيْناهُ
من الغرق
وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ
وكانوا ثمانين
وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ
من الهالكين به
وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
بالطوفان
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ
تعظيم لما جرى عليهم ، وتحذير لمن كذب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتسلية له
ثُمَّ بَعَثْنا
أرسلنا
مِنْ بَعْدِهِ
من بعد نوح
رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ
كلّ رسول إلى قومه
فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ
بالمعجزات الواضحة المثبتة لدعواهم
فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا
فما استقام لهم أن يؤمنوا لشدّة شكيمتهم في الكفر ، وخذلان اللّه إياهم
بِما
شرح
وقوله لا أخالف أمره مطلقا أو هذا الأمر وهو تفسير للانقياد وقوله فأصرّوا على تكذيبه فسره به لأنّ السياق دال على تقدّم تكذيبهم له كما يدلّ عليه قوله إن كان كبر الخ ولأنّ إهلاكهم المعقب إنما كان بعد ما استمرّ من تصدّيهم وطول عنادهم وإصرارهم وإلزامهم الحجة بقوله إن كان كبر الخ وقوله وبين أنّ توليهم أي بقوله فإن توليتم الخ وقوله لا جرم توطئة لتفريع قوله فنجيناه لا إشارة إلى أنّ الفاء فصيحة أي فحقت عليهم كلمة العذاب فنجيناه وقوله من الفرق بدلالة المقام وقيل من أيدي الكفار ، وقوله وكانوا ثمانين أي من الناس غير الحيوانات وقوله من الهالكين به أي بالغرق ومن للبدل أي جعل الثمانون خليفة عمن هلك بالطوفان لأنه المذكور قبله وبعده . قوله : ( تعظيم لما جرى عليهم ) لأنّ الأمر بالنظر إليه يدل على شناعته قال الراغب : النظر يكون بالبصر والبصيرة ، والثاني أكثر عند الخاصة فالمراد اعتبر بما أخبرك اللّه به لأنه لا يمكن أن ينظر إليه هو ولا من أنذره ، والمراد بالمنذرين المكذبين والتعبير به إشارة إلى إصرارهم عليه حيث لم يفد الإنذار فيهم وقد جرت العادة أن لا يهلك قوم بالاستئصال إلا بعد الإنذار لأنّ من أنذر فقد أعذر ، وقوله لمن كذب الرسول أي رسولنا عليه أفضل الصلاة والسّلام ، والتسلية له ظاهرة ، وقوله كلّ رسول إلى قومه هذا يستفاد من إضافة القوم إلى ضميرهم ، وليس من مقابلة الجمع بالجمع المفضي لانقسام الآحاد على الآحاد وفيه إشارة إلى أنّ عموم الرسالة مخصوص بنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » واختلف في نوح عليه الصلاة والسّلام هل بعث إلى أهل الأرض كافة أو إلى صقع واحد منها وعليه ينبني النظر في الغرق هل عمّ جميع أهل الأرض أو كان لبعضهم وهم أهل دعوته كما صرّح به في الآيات ، والأحاديث قال ابن عطية رحمه اللّه وهو الراجح عند المحققين ، وعلى الأوّل لا ينافي اختصاص عموم الرسالة بنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم لأنها لمن بعده إلى يوم القيامة . قوله تعالى : (فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُالآية ) ضمير كانوا وكذبوا القوم الرسل ، والمعنى أنّ حالهم بعد بعثه الرسل كحالهم قبلها في كونهم
هامش
( 1 ) يشير المصنف إلى ما أخرجه مسلم 523 - 5 والترمذي 4 / 123 وأحمد 2 / 411 - 412 وابن ماجة 567 والبغوي 3617 والبيهقي 2 / 433 - 9 / 5 كلهم من حديث أبي هريرة ولفظه : « فضلت على الأنبياء بستّ : أعيت جوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، وأحلت لي الغنائم ، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا ، وأرسلت إلى الخلق كافة ، وختم بين النبيون » .