الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
التي هي أصول الممكنات
فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
يقدّر أمر الكائنات على ما اقتضته حكمته وسبقت به كلمته ، ويهيئ بتحريكه أسبابها وينزلها منه ، والتدبير النظر في أدبار الأمور لتجيء محمودة العاقبة
ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ
تقرير لعظمته ، وعز جلاله وردّ على من زعم أنّ آلهتهم تشفع عند اللّه لهم ،
شرح
الكتاب السابق ذكره ، وعلى قراءة لساحر الإشارة إلى رجل ، وقوله وفيه اعتراف الخ لأنّ السحر خارق للعادة ، وقال النحرير لأنّ قولهم إنّ هذا لسحر المراد به الحاصل بالمصدر وهم كاذبون في ذلك عند أنفسهم أيضا ، وبهذا الاعتبار يكون دليل عجزهم لأنّ التعجب أوّلا ثم التكلم بما هو معلوم الانتفاء قطعا حتى عند نفس المعارض دأب العاجز المفحم ، وما قيل عليه أنه لا دخل لتعجبهم فيه فالأولى تركه ليس بشيء . قوله : ( التي هي أصول الممكنات ) إنما فسر به بيانا لحكمة تقديمها ، وكونها أصولا لأنّ السماء جارية مجرى الفاعل ، والأرض مجرى القابل ، وبإيصال الكواكب اختلاف الفصول ، ويكون ما فيها على ما قرّره الحكماء وقد تقدّم تفصيله وقوله تعالى :فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ[ سورة الأعراف ، الآية : 54 ] قيل هي مدّة مساوية لأيام الدنيا ، وقيل هي بالمعنى اللغويّ ، وهو مطلق الوقت وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنها من أيام الآخرة التي هي كألف سنة مما تعدّون قيل ، والأوّل أنسب بالمقام لما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة بخلق هذه الأجرام العظيمة في مثل تلك المدّة اليسيرة ، ولأنه تعريف لنا بما نعرفه ، وقوله استوى إمّا بمعنى استوى أمره ، وتمّ أو استولى فيرجع إلى صفة القدرة ، وقيل إنه صفة غير الثمانية لا يعلم ما هي ، وقيل إنه مما اشتبه فيتوقف فيه كما فصل في محله ، والعرش تقدّم أنه الجسم المحيط بجميع الكائنات أو الملك أو شيء غير ذلك . قوله : ( يقدّر أمر الكائنات على ما اقتضته حكمته الخ ) يعني تعريف الأمر للعهد ، والمراد أمر الكائنات ، وتدبيرها بمعنى تقديرها جارية على مقتضى الحكمة ، وأمّا ما سيذكره فهو معناه اللغويّ ، وقوله وسبقت به كلمته أي قضاؤه كما في قوله :وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ[ سورة الأنعام ، الآية : 115 ] وجملة يدبر استئنافية لبيان حكمة استوائه على العرش وتقرير لعظمته ، وقوله ويهيئ بتحريكه أي بسبب تحريك العرش ، وفلك الأفلاك أسباب ذلك لأنّ بحركته تحريك غيره ولذا اقتصر عليه . قوله :
( والتدبير النظر الخ ) وجه لاشتقاقه ، وبيان لحقيقته ، وقوله تقرير لعظمته لأنها علمت من خلق المخلوقات العظام فقرّر ذلك بأنه لعز جلاله لا يجسر أحد على الشفاعة عنده بغير إذن فالتقدير لا شفاعة لشفيع ، وهو تعليم للعباد أنهم إذا فعلوا شيئا يتأنون وإلا فهو سبحانه وتعالى قادر على خلقها دفعة في آن واحد ، وعدل عن قول الزمخشريّ يدبر يقضي ، ويقدّر على حسب مقتضى الحكمة ، ويفعل ما يفعل المتحريّ للصواب الناظر في أدبار الأمور وعواقبها لئلا يلقاه ما يكره آخرا انتهى لأنه كما قيل خطأ لفظا ، ومعنى فإنه لا يجوز إطلاق التحرّي على اللّه ، ولا يمثل فعل اللّه به ، ولأنه مبنيّ على رأيه ، وهي قاعدة فاسدة عند أهل السنة . قوله : ( وردّ على من زعم أنّ آلهتهم تشفع الخ ) قيل هذا الردّ غير تامّ لأنهم لما ادعوا شفاعتها قد يدعون الإذن