إنكارهم واستهزاءهم
إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ
من أفناء رجالهم دون عظيم من عظمائهم قيل كانوا يقولون العجب أنّ اللّه تعالى لم يجد رسولا يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب ، وهو من فرط حماقتهم وقصور نظرهم على الأمور العاجلة ، وجهلهم بحقيقة الوحي والنبوّة هذا وأنه عليه الصلاة والسّلام لم يكن يقصر عن عظمائهم فيما يعتبرونه إلا في المال ، وخفة الحال أعون شيء في هذا الباب ولذلك كان أكثر الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام قبله كذلك ، وقيل تعجبوا من أنه بعث بشرا رسولا كما سبق ذكره في سورة الأنعام
أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ
أن هي
شرح
بمعنى مفعول أو فاعل يجوز تقديم معموله عليه كما ذكره النحاة ، وجوّز أيضا تعلقه بكان ، وإن كانت ناقصة بناء على جوازه . قوله : ( من أفناء رجالهم ) أفناء بفتح الهمزة وسكون الفاء ، والنون والمدّ وهذه العبارة وإن استعملت في خمول النسب فليس بمراد لأنّ نسبه فيهم ، وشرفه نار على علم بل المراد أنه ممن لم يشتهر بالجاه ، والمال اللذين اعتقدوا أنهما سبب العز والإجلال لجهلهم ، وجاهليتهم لأنه قد يستعمل لعدم التعيين مطلقا أو التعيين كقول أبي تمام :من مبلغ أفناء يعرب كلها * إني بنيت الجار قبل المنزليقال هو من أفناء الناس إذا لم يعلم ممن هو قاله الجوهريّ ، وقال الأزهريّ عن ابن الأعرابيّ أعفاء الناس وأفناؤهم أخلاطهم الواحد عفو وفنو ، وعن أبي حاتم عن أمّ الهيتم هؤلاء من أفناء الناس ، ولا يقال في الواحد هو من أفناء الناس وفسروه بقوم تراع من هاهنا ومن هاهنا ، ولم تعرف أمّ الهيتم الإفناء واحدا والمراد بالخلط إبهام النسب وليس بمراد هنا ، ومراد أبي تمام التعميم ومنهم من اعترض على المصنف رحمه اللّه ومتابعته الزمخشريّ في هذه العبارة ، واختار أنّ المراد برجل أنه مشهور بينهم بالجلالة ، والعفة والصدق كما قال :لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ[ سورة التوبة ، الآية : 128 ] فإنه محل الإنكار وهو أنسب بالمقام وهو غير ظاهر لأنه وإن كان أعظم مما ذكر لكن السياق يقتضي بيان كفرهم ، وتذليلهم وتحقيرهم لمن أعزه اللّه ، وعظمه وما ذكره يناسب القسم الثاني لا الأوّل فقط خلط تفسيرا بآخر لأنّ تعجبهم يحتمل أن يكون لكونه ليس له مال وجاه كقوله تعالى :وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ[ سورة الزخرف ، الآية : 31 ] أو لكونه من البشر كقوله تعالى :لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً[ سورة فصلت ، الآية : 14 ] أو لكونه أنذرهم بالبعث الذي أنكروه والمصنف رحمه اللّه لم يلتفت إلى هذا لبعده عن السياق ، وقولهم يتيم أبي طالب لأنه كان معه في صغره ، ولم يعرفوا أنّ أنفس الدرّ يتيمه ، وقيل للحسن رحمه اللّه لم جعله اللّه يتيما فقال لئلا يكون لمخلوق عليه منة فإنّ اللّه هو الذي آواه وأدّبه ورباه ، وقوله : ( وجهلهم بحقيقة الوحي ) لأنه سبحانه يعلم حيث يجعل رسالاته وما عدّوه سيئا ليس بشيء يلتفت إلى مثله ، وقوله :
( هذا ) أي الأمر هذا أو خذ هذا ، وقوله خفة الحال قد أجاد في التعبير عن قلة المال به لأنه أخف إذ ليس له معه ما يشغله عما أريد منه مع عدم احتياجه إليه ، ولذا قيل لبعض المشايخ هل