مجازاة اللّه المكلفين على أعمالهم كان مرجع الجميع إليه لا محالة ويؤيده قراءة من قرأ أنه يبدأ بالفتح أي لأنه ويجوز أن يكون منصوبا أو مرفوعا بما نصب وعد اللّه أو بما نصب حقا
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً
أي ذات ضياء وهو مصدر كقيام أو جمع ضوء كسياط وسوط ، والياء فيه منقلبة عن الواو ، وعن ابن كثير ضئاء بهمزتين في كلّ القرآن على القلب بتقديم اللام على العين
وَالْقَمَرَ نُوراً
أي ذا نور أو سمي نورا للمبالغة ، وهو أعمّ من الضوء كما عرفت ، وقيل ما بالذات ضوء وما بالعرض نور وقد نبه سبحانه وتعالى بذلك على أنه خلق الشمس نيرة في ذاتها ، والقمر نيرا بعرض مقابلة الشمس ، والاكتساب منها
شرح
المصدّرة بأنّ كتوبوا إنه غفور رحيم وكونها تعليلا أو كالتعليل لإخفاء فيه وإنما الكلام في المعلل هل هو كون المرجع إليه أو كونه لا مرجع إلا إليه فالظاهر هو الثاني كما أشار إليه النحرير في شرحه والمعنى مرجعكم إلى اللّه لا إلى غيره ، وإنما أرجعكم إليه ليجازيكم بما يليق بكم واستفادة الحصر من المعلل ظاهرة ومن العلة لأنّ البدء والإعادة معلومة الانتفاء عن غيره عقلا فلا حاجة إلى أن يعتبر في الكلام ما يدلّ على الحصر حتى يتكلف له ما تكلفه من تعسف بما لا يليق ذكره . قوله : ( ويؤيده قراءة من قرأ أنه الخ ) أي بالفتح بتقدير لام التعليل فهو صريح فيما ذكر وجوّز فيه أن يكون منصوبا بوعد مفعولا له أو مرفوعا بحقا فاعلا له وكلامه يحتمل أن يكون وعد وحق هما العاملان في المصدرين المذكورين وأن يكونا فعلين آخرين مقدّرين بدلالة ما قبلهما عليهما فإن كان المراد الأوّل فالمصدران ليسا للتأكيد ويكون هذا إعرابا آخر لأنّ فاعل العامل في المصدر المؤكد لا بدّ أن يكون عائدا على ما تقدّمه مما أكده فالمعنى وعد الرجوع إليه ، وحق الوعد ، وإن كان الثاني فهو ظاهر ثم إنّ التعليل المذكور لا يناسب كون المراد بالمرجع الموت فإمّا أن يكون هذا إشارة إلى أنّ تفسيره الثاني هو المرضيّ عنده أو يكون الصحيح نسخة العطف بالواو كما مرّ التنبيه عليه . قوله : ( ذات ضياء وهو مصدر الخ ) يعني هو على تقدير مضاف أو جعلها نفس الضياء مبالغة كما أشار إليه في نورا ، وانقلاب الواو ياء لانكسار ما قبلها وأمّا همزة فعلى القلب المكاني فلما وقعت الواو أو الياء المنقلبة عنها متطرفة بعد مدّة قلبت همزة ابتداء أو بعد قلبها ألفا كما هو معروف في التصريف ، وكونه جمعا بعيد ، ولأنّ تقابله بنور ألا يقتضيه كما قيل ، وخالفه أبو عليّ في الحجة فقال كونه جمعا كحوض ، وحياض أقيس من جعله مصدرا كقيام فهما قولان ، وإنما كان أقدر لأنّ المصدر يجري على فعله في الصحة ، والاعتلال انتهى ، وقوله في كلّ القرآن هذه رواية ، وقد قال بعض القرّاء أنها لم تصح ، وقيل إنما قرأ بها هنا ، وفي سورة الأنبياء القصص . قوله : ( أو سمي نورا للمبالغة الخ ) معناه ظاهر لكنه في نسخة أو فيكون فيه وجهان ، وفي نسخة بالواو والأولى أظهر ، وقوله ، وهو أعمّ من الضوء كما عرفت أي في أوّل سورة البقرة بناء على أنه ما قوي من النور ، والنور شامل للقوي والضعيف ، وعلى القول الثاني هما متباينان فما كان بالذات كالشمس ، والنار فهو ضوء ، وما كان بالعرض فهو نور ولذا غاير بينهما في النظم ، وإليه أشار