تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 7

مساهمون:

ص٧
إلى الصدق لتحققها والتنبيه على أنهم إنما ينالونها بصدق القول والنية
قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا
يعنون الكتاب وما جاء به الرسول عليه الصلاة والسّلام
لَسِحْرٌ مُبِينٌ
وقرأ ابن كثير والكوفيون لساحر على أنّ الإشارة إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وفيه اعتراف بأنهم صادفوا من الرسول أمورا خارقة للعادة معجزة إياهم عن المعارضة ، وقرئ ما هذا إلا سحر مبين
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ
شرح
لفلان قدم في الخير والسابقة هنا مصدر بوزن فاعلة بمعنى السبق ، والسبق كالتقدّم بمعنى فضلهم على غيرهم لما خصوا به من سائر الأمم فالقدم مجاز مرسل عن السبق لكونها سببه وآلته ، والسبق مجاز عن الفضل والتقدّم المعنوي إلى المنازل الرفيعة فهو مجاز بمرتبتين ، وقيل المراد تقدّمهم على غيرهم في دخول الجنة لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « نحن الآخرون السابقون يوم القيامة » « 1 » وقيل تقدّمهم في البعث ، وقيل سابقة اسم فاعل أي سعادة سابقة في اللوح أو شفاعة سابقة ، وفي الكشاف وجه آخر ، وهو أنّ قدم صدق بمعنى مقام صدق كمقعد صدق بإطلاق الحال ، وإرادة الحال ، وليس هذا معنى قوله منزلة رفيعة كما توهم حتى يلزم جمع المعاني المجازية ، وظاهره أنّ القدم يطلق على السبق مطلقا كما تطلق اليد على النعمة ، والعين على الجاسوس ، والرأس على الرئيس ، وقال صاحب الانتصاف لم يسموا سابقة السوء قدما إمّا لكون المجاز لا يطرد أو لأنه غلب في العرف عليه . قوله : ( وإضافتها إلى الصدق ) أصل الصدق في الأقوال قال الراغب : ويستعمل في الأفعال فيقال صدق في القتال إذا وافاه حقه ، وكذا في ضدّه يقال كذب فيه فيعبر به عن كلّ فعل فاضل ظاهرا ، وباطنا ، ويضاف إليه كمقعد صدق ، ومدخل صدق ، ومخرج صدق ، وقدم صدق ، ولسان صدق في قوله ، واجعل لي لسان صدق سأل أن يجعله اللّه صالحا بحيث إذا أثنى عليه لم يكن كذبا كما قال :إذا نحن أثنينا عليك بصالح * فأنت كما تثني وفوق الذي نثنيفإضافته من إضافة الموصوف إلى صفته ، وأصله قدم صدق أي محققة مقرّرة لما عرفت من معناه ، وفيه مبالغة لجعلها عين الصدق ، ثم جعل الصدق كأنه صاحبها ، وهذا من منطوقه ، وقوله والتنبيه الخ أي تنبيه على أنهم إنما نالوا تلك السابقة بصدقهم ظاهرا وباطنا ، واعترض عليه بأنه إنما يحصل هذا إذا كانت الإضافة من إضافة المسبب إلى السبب إلا أن يكون في التنبيه إشارة إلى احتمالها لها ، ويدفع بأنه لا حاجة إلى ما ذكر لأنّ الصدق إنما تجوّز به عن توفية الأمور الفاضلة حقها للزوم الصدق لها حتى كأنها لا توجد بدونه ويكفي مثله في ذلك التنبيه ، وهذا كما أنّ أبا لهب يشعر بأنه جهنميّ . قوله : ( يعنون الكتاب الخ ) يعني الإشارة إلى
هامش
( 1 ) هو بعض حديث أخرجه البخاري 6624 - 7036 - 238 - 876 - 2956 - 6887 - 7495 - 3486 ومسلم 855 - 856 والنسائي 3 / 87 - 85 وابن ماجة 1083 كلهم من حديث أبي هريرة ، ولفظ البخاري : « نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، بيد كل أمة أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتينا من بعدهم . فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فغدا لليهود ، وبعد غد للنصارى » .