الجارّ جعل الاستثناء منقطعا ، والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ
الذين يتولونه بالطاعة ، ويتولاهم بالكرامة
لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
من لحوق مكروه
وَلا هُمْ
شرح
فإذ قدر منقطعا صح لأنه يصير تقديره لكن لا أصغر ولا أكبر إلا هو في كتاب مبين ودفع أيضا بأنه على حدّ قوله لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى وقوله :ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائبفالمعنى لا يبعد عن علمه شيء لا الصغير ولا الكبير إلا ما في اللوح أو في علمه فإن عد ذلك من العزوب فهو عازب عن علمه ، وظاهر أنه ليس من العزوب قطعنا فلا يعزب عن علمه شيء قطعا ، وفي الآية أقوال أخر ضعيفة كجعل إلا عاطفة بمعنى الواو ، وكون الكلام على التقديم والتأخير وأنه متعلق بما قبل قوله وما يعزب ، وجعله مستثنى من مقدر لا من المنفي المذكور أي ليس شيء إلا في كتاب ونحوه وكلها ظاهرة قوّة وضعفا إلا ما نقله الإمام عن بعض المحققين من أن العزوب عبارة عن مطلق البعد والمخلوقات قسمان قسم أوجده اللّه تعالى من غير واسطة كالأرض والسماء ، والملائكة عليهم الصلاة والسّلام وقسم أوجده بواسطة القسم الأول مثل الحوادث في العالم وقد تتباعد سلسلة العلية والمعلولية عن مرتبة وجود واجب الوجود فالمعنى لا يبعد عن مرتبة وجوده مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء إلا وهو في كتاب مبين كتبه اللّه وأثبت فيه صور تلك المعلومات ، فهو استثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال واثبات العزوب بمعنى البعد عنه في سلسلة الإيجاد لا محذور فيه وهذا وجه دقيق إلا أنه أشبه بتدقيقات الحكماء لبعده عن أسلوب العربية ، وقيل معنى معزب يبين وينفصل أي لا يصدر عن ربك شيء من خلقه إلا وهو في اللوح وتلخيصه إنّ كلّ شيء مكتوب فيه ذكره الكواشي ، وقريب منه قوله في المغني إن معنى يعزب ليس يخفى بل يخرج إلى الوجود فمعناه لا يخرج إلى الوجود عنه مثقال ذرّة إلا وهو في كتاب ولا منافاة كما قيل بين قوله هنا ، وقوله في سورة سبأ في قوله تعالى :لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ[ سورة سبأ ، الآية : 3 ] لا يجوز عطف المرفوع على مثقال والمفتوح على ذرّة لأنّ الاستثناء يمنعه اللهمّ إلا إذا جعل الضمير في عنه للغيب وجعل المثبت في اللوح خارجا لظهوره على المطالعين فيكون المعنى لا ينفصل عن الغيب شيء إلا مسطورا في اللوح لأنّ مراده الاستثناء المتصل الذي هو الظاهر فيكون كما في الكشاف هنا ، ومن ههنا ظهر جواب آخر ، وهو أنّ المراد بالبعد عن اللّه البعد والخروج عن غيبه أي لا يخرج عن غيبه إلا ما كان في اللوح فيعزب عن الغيب إلى الظهور لاطلاع الملائكة عليهم الصلاة والسّلام وغيرهم عليه فيفيد إحاطة علمه بالغيب والشهادة ، ويظهر منه وجه لتقديم الأرض وهذا معنى حسن من اللّه به عليّ . قوله : ( والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ ) لم يفسره بالعلم كما في سورة الأنعام لئلا يتكرّر مع قوله عن ربك على ما فسره به أو لاقتضاء المعنى له فتأمّل . قوله : ( الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة ) الوليّ ضدّ العدوّ فهو المحبّ ومحبة العباد طاعتهم ومحبته لهم