وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
وعن يعقوب : فلتفرحوا بالتاء على الأصل المرفوض وقد روي مرفوعا ويؤيده أنه قرىء فافرحوا
هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
من حطام الدنيا فإنها إلى الزوال قريب وهو ضمير
شرح
وليست الثانية عاطفة كما قيل في :فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ[ سورة العنكبوت ، الآية : 56 ] لأنّ المحذوف متعلق بفضل اللّه لا متعلق بهذا ولا ضرورة تدعو التكثير المحذوفات من غير داع في النظم الكريم فاعرفه . قوله : ( وإذا هلكت إلى آخر البيت ) وهو قوله :لا تجزعي إن منفسا أهلكته * وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعيوهو من شعر للنمر بن تولب والخطاب لزوجته وكانت لأمته إذ نزل به ضيوف فعقر لهم أربعة قلائص فقال لها ذلك والمعنى لا تجزعي لما أتلفه من نفيس مالي فإني أحصل لك أمثاله ، ولكن اجزعي إن مت وهلكت فإنك لا تجدين مثلي من الرجال يخلف عليك ، والشاهد فيه زيادة الفاء في قوله فعند ذلك أو في فاجزعي . قوله : ( وعن يعقوب فلتفرحوا بالتاء على الأصل المرفوض ) أي وروي أنه قرأ فلتفرحوا بلام الأمر وتاء الخطاب على أصل أمر المخاطب المتروك فيه فإنّ أصل صيغة الأمر باللام فحذفت مع تاء المضارعة واجتلبت همزة الوصل للتوصل إلى الابتداء بالساكن فإذا أتي بأمر المخاطب فقد استعمل الأصل المتروك فيه وهذا أحد قولين للنحاة فيه وقيل إنها صيغة أصلية وفي حواشي الكشاف عن المصنف إنّ هذه القراءة إنما قرىء بها لأنها أدل على الأمر بالفرح ، وأشدّ تصريحا به إيذانا بأن الفرح بفضل اللّه ورحمته مما ينبغي التوصية مشافهة به ، وبهذا الاعتبار انقلب ما ليس فصيحا فصيحا كما في قوله :لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ[ سورة الاخلاص ، الآية : 4 ] كما سيأتي بيانه وقال ابن جني وقراءة فلتفرحوا بالتاء خرّجت على أصلها وذلك أنّ أصل أمر المخاطب اللام كما قرّرناه ولم يفعلوا ذلك بأمر الغائب لأنه لم يكثر كثرته ، ولذا لم يؤمر باسم الفعل كصه والذي حسنه هنا أنّ النفس تقبل الفرح فذهب به إلى قوة الخطاب فلا يقال فلتحزنوا إلا إذا أريد صغارهم وإرغامهم ومنه أخذ العلامة ما ذكره ، وهذا من دقائق المعاني التي ينبغي أن يتنبه لها . قوله : ( وقد روي مرفوعا الخ ) يعني أنّ هذه القراءة وإن كانت شاذة إلا أنها وردت في حديث صحيح « 1 » رواه أبو داود عن أبيّ بن كعب مرفوعا إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولذا قال في الكشاف أنها قراءة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأيدها بقراءة فافرحوا لأنها أمر للمخاطب على الأصل ، وقد قرأ بها الحسن ، وجماعة من الصحابة رضوان اللّه عليهم ومن الغريب قوله في شرح اللب لما كان النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مبعوثا إلى الحاضر ، والغائب جمع بين اللام ، والتاء وكأنه يعني أن الأمر لما كان لجملة المؤمنين حاضرهم ، وغائبهم غلب الحاضرون في الخطاب على الغائبين ، وأتي باللام رعاية لأمر الغائبين ، وهي نكتة بديعة إلا أنه أمر محتمل ، وقرىء فلتفرحوا بكسر اللام . قوله : ( فإنها إلى الزوال ) أي صائرة إلى الزوال ،
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود 3980 - 3981 من حديث أبي بن كعب أن النبيّ قرأ :بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَقال أبو داود : بالتاء . وإسناده صحيح .