تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
والمرغبة في المحاسن ، والزاجرة عن المقابح ، والحكمة النظرية التي هي شفاء لما في الصدور من الشكوك ، وسوء الاعتقاد ، وهدى إلى الحق واليقين ، ورحمة للمؤمنين حيث أنزل عليهم فنجوا به من ظلمات الضلال إلى نور الإيمان ، وتبدّلت مقاعدهم من طبقات النيران بمصاعد من درجات الجنان ، والتنكير فيها للتعظيم
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ
بإنزال القرآن والباء متعلقة بفعل يفسره قوله :
فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا
فإنّ اسم الإشارة بمنزلة الضمير
شرح
للعمليات لأنّ الوعظ ترغيب وترهيب فيحث على محاسن الأعمال ويزجر عن قبائح الأفعال وما بعده إشارة إلى الكمال العلمي بالعقائد الحقة ويتقنها بتصفية الباطن لها حتى تشرق بنور الهداية وتصعد من درجات اليقين إلى أعلى عليين وفيه إشارة إلى أنّ للنفس الإنسانية مراتب كمال من تمسك بالقرآن فاز بها إحداها تهذيب الظاهر عن فعل ما لا ينبغي وإليه الإشارة بالموعظة لأنها الزجر عن المعاصي ، وثانيها تهذيب الباطن عن العقائد الفاسدة والملكات الرديئة ، وهو شفاء ما في الصدور وثالثها تحلي النفس بالعقائد الحقة والأخلاق الفاضلة ولا يحصل ذلك إلا بالهدى ، ورابعها تجلي أنوار الرحمة الإلهية وتختص بالنفوس الكاملة وقد وردت الآية مرتبة على هذا الترتيب الأنيق وبتلك الكمالات تحصل مناسبة بين المؤثر والمتأثر ليستعدّ بها لفيض إحسانه فلذا لم يحصل له ذلك ابتداء بل في آخر أحواله ، وذهاب ظلمة الهيولى التي يتضح بها نور الهداية ، وقال الإمام الموعظة إشارة إلى تطهر ظواهر الخلق عما لا ينبغي ، وهو الشريعة والشفاء تطهر الأرواح عن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة وهو الطريقة والهدى ظهور الحق في قلوب الصدّيقين ، وهو الحقيقة والرحمة إشارة إلى بلوغ الكمال والإشراق حتى يكمل غيره ويفيض عليه وهي النبوّة والخلافة فهذه درجات ستة لا يمكن فيها تقديم ولا تأخير وإليه الإشارة في الحديث : « كان خلقه القرآن » فتدبر ، والمحاسن والمقابح جمع حسن وقبح على غير قياس ، وقوله وهدى مرفوع على كتاب وكذا قوله ورحمة والوصف بهذه ، وجعلها عينه للمبالغة ، وقوله والتنكير فيها أي في هذه المذكورات لا في رحمة فقط كما قيل . قوله : ( بإنزال القرآن ) الباء للسببية متعلق بفضل اللّه ورحمته أي ذلك بسبب نزول وهدايتكم به أو هو بدل منه مفسر له أي المراد بفضل اللّه ورحمته ذلك ويناسب الثاني قول مجاهد رحمه اللّه الفضل والرحمة القرآن والأوّل تفسيرهما بالجنة ، والنجاة من النار والتوفيق والعصمة إلى غير ذلك من التفاسير . قوله : ( والباء متعلقة بفعل يفسره قوله فبذلك فليرحوا ) يعني فليفرحوا من قوله فبذلك فليفرحوا ، وقيل جعل المجموع مفسرا لأنه لولا ذكر المتعلق لم يكن مفسرا بل عاملا فيه فالمفسر في زيدا ضربته ضربته بتمامه إذ لولا الضمير لكان عاملا . قوله : ( فإنّ اسم الإشارة بمنزلة الضمير الخ ) يعني أنه من باب الاشتغال وشرطه اشتغال العامل بضمير المعمول واسم الإشارة يقوم مقام الضمير فاشتغاله به بمنزلة الاشتغال بضميره وذلك إشارة إليهما باعتبار ما ذكره في قوله عوان بين ذلك وهو مشهور في اسم الإشارة ، وهذا من غريب العربية فإنّ المعروف في الاشتغال اشتغاله بالضمير وكونه باسم الإشارة لم يذكره النحاة .