كلا الضميرين للقرآن ، وإي بمعنى نعم وهو من لوازم القسم ، ولذلك يوصل بواوه في التصديق فيقال : إي واللّه ولا يقال أي وحده
وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ
بفائتين العذاب
وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ
بالشرك أو التعدّي على الغير
ما فِي الْأَرْضِ
من خزائنها وأموالها
لَافْتَدَتْ بِهِ
لجعلته فدية لها من العذاب من قولهم : افتداه بمعنى فداه
وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ
لأنهم بهتوا بما عاينوا مما لم يحتسبوه من فظاعة الأمر ، وهو له فلم يقدروا أن ينطقوا ، وقيل : أسرّوا الندامة أخلصوها لأنّ اخفاءها إخلاصها ، أو لأنه يقال : سرّ الشيء لخالصته من حيث إنها تخفى ، ويضنّ بها وقيل : أظهروها من قولهم : سرّ الشيء وأسرّه إذا أظهره
وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
ليس تكريرا لأنّ الأوّل قضاء بين الأنبياء ،
شرح
قوله : ( وأي بمعنى نعم الخ ) أي هي جواب وتصديق كنعم ولا تستعمل إلا مع القسم بخلاف نعم فإنها تستعمل به ، وبدونه ولذلك سمع من كلامهم وصلها بواو القسم إذا لم يذكر المقسم به فيقولون أيو ويوصلون به هاء السكت أيضا فيقولون أيوه ، وهذه شائعة الآن في لسان العوام كذا قرّره الزمخشريّ لكن ردّه أبو حيان بأنه يجوز استعمالها مع القسم وبدونه ، والأوّل هو الأكثر ، وما ذكره من السماع ليس بحجة لأنّ اللغة فسدت بمخالطة غير العرب فلم يبق السماع حجة وحذف المجرور بواو القسم والاكتفاء بها لم يسمع من موثوق به ، وهو مخالف للقياس .
قوله : ( بفائتين العذاب ) من الفوت بالمثناة من قولهم فاته الأمر إذا ذهب عنه جعله من أعجزه الشيء إذا فاته ويصح جعله من أعجزه بمعنى وجده عاجزا أي ما أنتم بواجدي العذاب أو من يوقعه بكم عاجزا عن ادراككم وإيقاعه بكم والفائت على الأوّل هو الكفار لا العذاب . قوله :
( بالشرك أو التعدّي على الغير ) المراد بالشرك مطلق الكفر هنا وهو أحد استعماليه يعني الظلم إمّا لنفسه ، وهو بالكفر وخصه لأنه أعظمه ولأنّ الكلام في حق الكفار ، ومنهم من عممه لسائر المعاصي أو لغيره بالتعدّي عليه ، وقوله من خزائنها وأموالها الإضافة فيه لأدنى ملابسة . قوله :
( من قولهم افتداه بمعنى فداه ) يعني أنّ افتدى هنا متعدّ بمعنى فداه أي أعطاه الفداء ، وهو ما يتخلص به فمفعوله محذوف أي افتدت نفسها بما في الأرض وقد يكون لازما مطاوع فدى المتعدّي يقال فداه فافتدى ، وقد جوّز هذا أيضا هنا ، ولم يلتفت إلى هذا الشيخان لعدم مناسبته للسياق إذ المتبادر منه أنّ غيره فداه لأنّ معناه قبلت الفدية والقابل غير الفعل وفيه نظر لأنه قد يتحد القابل والفاعل إذ أفدى نفسه نعم المتبادر الأوّل . قوله : ( لأنهم بهتوا بما عاينوا الخ ) لما كانت الندامة والندم من الأمور الباطنة وهي لا تكون الأسرا فوصفها بالأسرار مما لا يظهر له وجه ، وأيضا أسرار الندامة يدلّ على التجلد وليس بمراد وجه بأنّ الندامة ، وإن كانت من الأسرار القلبية لكن آثارها تبدو وتظهر في الجوارح كالبكا وعض اليد ونحو ذلك فالمراد بتخصيص كونها في القلب نفي ما عدا ذلك لشدّة حيرتهم وبهتهم من شدّة ما نزل بهم أو المراد أخلصوها لأنها سرية فإذا وصفت بذلك أفاد تأكيدها وقوّتها ، وإخلاصها لأنّ أعمال القلب من شأنها الاخلاص ، ولذا يقال للخالص من الشيء أنه سرّه لأنه من شأنه أن يخفي ويصان ويضن