صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
في الدعوة إلى اللّه
وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً
بأن حببه إلى الناس حتى إنّ أرباب الملل يتولونه ، ويثنون عليه ورزقه أولادا طيبة وعمرا طويلا في السعة والطاعة
وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
لمن أهل الجنة كما سأله بقوله :
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
[ سورة يوسف ، الآية : 101 ]
ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
يا محمد ، وثم إمّا لتعظيمه والتنبيه على أن أجل ما أوتي إبراهيم اتباع الرسول عليه السّلام ملته أو لتراخي أيامه
أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً
في التوحيد والدعوة إليه بالرفق ، وإيراد الدلائل مرّة بعد أخرى والمجادلة مع كل أحد على حسب فهمه
وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
بل كان قدوة الموحدين
إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ
تعظيم السبت ، أو التخلي فيه للعبادة
عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ
أي على نبيهم ، وهم اليهود أمرهم
شرح
الإعادة فتأمله . قوله : ( بأن حببه إلى الناس الخ ) أي جعله محببا في قلوبهم فهم يتولونه أي يجعلونه واليا أي مقتدى به في هديه ، وسيرته فحسنة بمعنى سيرة حسنة ، وعلى ما بعده فالمعنى عطية ، ونعمة حسنة وقوله لمن أهل الجنة أي المستحقين لها ، ولمقاماتها العلية فعلى هذا قوله ألحقني بالصالحين أي احشرني مع الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام في الدرجات العلى فلا يقال وصف الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام بالصلاح لا يعدّ مدحا ، ولذا قيل المراد بالصالحين الكاملون في الصلاح كما في قوله تعالى :أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[ سورة البقرة ، الآية : 5 ] . قوله : ( وثم إمّا لتعظيمه الخ ) يعني أنّ ثم إمّا للتراخي في الرتبة فتكون دالة على التعظيم ، وقد صرح صاحب الانتصاف أنها لتعظيم المعطوف فلينظر هل تكون لتعظيم المعطوف عليه أيضا ، وتحقيقه كما قال المدقق في الكشف إنّ فيه تعظيما لا يدرك كنهه إما للإيذان بأنّ أشرف ما أوتي خليل اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أتباعه له لدلالة ثم على تباين هذا المؤتي ، وسائر ما أوتي من الرتب والمآثر ، وأما تعظيم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من حيث إنّ الخليل عليه الصلاة والسّلام مع علو مقامه أجلّ ما أونيه اتباع نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم له ثم الأمر باتباع الملة دون اتباع الخليل عليه الصلاة والسّلام إشارة إلى استقلاله في الأخذ عمن أخذ عنه إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ، وهذا من بدائعه رضي اللّه تعالى عنه ، ثم إنّ تخصيص إبراهيم عليه الصلاة والسّلام دون غيره من الرسل عليهم الصلاة والسّلام صريح في جلالته بكلّ وجه ، فلا يرد عليه أنه تفوت الدلالة على جلالة المؤتى في الوجه الثاني كما قيل ، وقوله أو لتراخي أيامه فهي على حقيقتها ، وقدّم الأوّل لأنه أبلغ ، وأنسب بالمقام . قوله : ( في التوحيد والدعوة الخ ) أي لا في الشرائع ، والأحكام فإنه لم يؤمر بذلك قيل الدين والملة ، والشريعة متحدة بالذات مختلفة بالاعتبار كما بين في محله فكون ما ذكر بعد التوحيد من الملة محل بحث ، وجهة أنه ليس داخلا في مفهومها ما ذكر من إيراد الدلائل ، ونحوه على تفسيرهم ولا بأس في تسمية ما يتوقف عليه تبليغ التوحيد توحيدا كما يسمى الكلام علم التوحيد مع ما فيه من الأدلة ، ومثله سهل . قوله : ( تعظيم السبت أو التخلي فيه للعبادة ) لما كان استعمال جعل في كلام العرب على وجهين فتارة يتعدّى إلى مفعولين وأخرى إلى واحدة فتعدّيه ، إلى الثاني بعلى غير متعارف أوّلت الآية بوجهين الأوّل تقدير