الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ
لما كان المفتري يفتري لتحصيل مطلوب نفي عنهم الفلاح وبينه بقوله :
مَتاعٌ قَلِيلٌ
أي ما يفترون لأجله ، أو ما هم فيه منفعة قليلة تنقطع عن قريب
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
في الآخرة
وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ
أي في سورة الأنعام في قوله :
وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ
[ سورة الأنعام ، الآية : 146 ]
مِنْ قَبْلُ
متعلق بقصصنا أو بحرمنا
وَما ظَلَمْناهُمْ
بالتحريم
وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
حيث فعلوا ما عوقبوا به عليه ، وفيه تنبيه على الفرق بينهم وبين غيرهم في التحريم ، وإنه كما يكون للمضرة يكون للعقوبة
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ
بسببها أو ملتبسين بها لتعمّ الجهل باللّه ، وعقابه وعدم التدبر في العواقب لغلبة الشهوة والسوء يعم الافتراء على
شرح
وقال المعرب يجوز أن تكون للتعليل ولا يبعد قصدهم لذلك ، وهو بدل من لما تصف لأنّ وصفهم الكذب هو افتراء على اللّه أو متضمن له كما مر قاله أبو حيان رحمه اللّه تعالى ، وهو على تقدير جعل ما مصدرية إمّا إذا كانت بمعنى الذي فاللام ليست للتعليل فيبدل منها ما يفهم التعليل ، وإنما هي متعلقة بلا تقولوا على حدّها في قولك لا تقولوا لما أحلّ اللّه هذا حرام أي لا تسموه بهذا الاسم وقد مر لها توجيه آخر قريب من هذا قيل ، ولا مانع من إرادة التعليل على الموصولية أيضا . قوله : ( لما كان المفتري ) اسم فاعل أي الكاذب وقوله نفى عنهم الفلاح أي الظفر ، والفوز بمطلوب يعتد به ، وأمّا ما قصدوه فأمر قليل منقطع مفض إلى الخسران ، والعذاب المخلد فلا عبرة به كما سيصرح ، وإليه أشار المصنف رحمه اللّه تعالى بقوله وبينه الخ . قوله : ( أي ما يفترون لأجله ) يشير إلى أنّ قوله متاع خبر مبتدأ محذوف تقديره ما ذكر لا متاع مبتدأ ، وقليل خبره لأنّ النكرة لا يخبر عنها بدون مسوغ ، وتأويله بمتاعها ونحوه بعيد ، وقوله منفعة الخ تفسير لقوله متاع . قوله : ( أي في سورة الأنعام ) قيل ، وفي هذه الآية دليل على تقدّم آية سورة الأنعام في النزول لا على تقدم سورة الأنعام بتمامها كما ظنّ قلت هذا غفلة عما ذكره المصنف رحمه اللّه تعالى في آخر سورة الأنعام من أنها أنزلت جملة واحدة فالقائل بنى كلامه على مدعي المصنف رحمه اللّه تعالى ، وقد تقدم منا كلام فيه . قوله : ( متعلق بقصصنا أو بحرمنا ) بتقدير مضاف تقديره على الأوّل من قبل نزول هذه الآية ، وكذا على الثاني ويحتمل أن يقدر فيه من قبل تحريم ما حرّم على أمّتك وهو أولى ، ويجوز فيه التنازع ، وقوله عوقبوا به أي بالتحريم عليه أي على ما عوقبوا به فالضمير الأوّل للتحريم ، والثاني للموصول ، والفرق بينهم وبين غيرهم في التحريم أنّ هذه الأمّة لم يحرم عليها إلا ما فيه مضرة لها وغيرهم قد يحرم عليهم ما لا ضرر فيه عقوبة لهم بالمنع كاليهود قال تعالى :فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْناالآية . قوله : ( بسببها ) فالباء للسببية والمراد بالجهالة السبب الحامل لهم على العمل كالغيرة الجاهلية الحاملة على القتل وغير ذلك ، وقوله أو ملتبسين فهي للملابسة وقوله لتعم الجهل باللّه وعقابه متعلق بتقدير ملتبسين تعليل له يعني أنه فسره بما ذكر فشمل الجاهل بما ذكر إذا عمل سوءا لغلبة شهوته فسببه غلبة الشهوة ، ويصدق عليه أنه ملتبس بالجهالة المذكورة وعدم التدبر