الكذب كانت مجهولة ، وألسنتهم تصفها وتعرّفها بكلامهم هذا ولذلك عدّ من فصيح الكلام كقولهم : وجهها يصف الجمال وعينا تصف السحر . وقرىء الكذب بالجرّ بدلا من ما والكذب جمع كذوب أو كذاب بالرفع صفة للألسنة وبالنصب على الدم ، أو بمعنى الكلم الكواذب
لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
تعليل لا يتضمن معنى الغرض
إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ
شرح
مبالغة لجعله عين الكذب ترقي عنها إلى أن خيل أنّ ماهية الكذب كانت مجهولة حتى كشف كلامهم عن ماهية الكذب ، وأوضحها كما أشار إليه الرازي فتصف بمعنى توضح فهو بمنزلة الحدّ ، والتعريف الكاشف عن ماهية الكذب فالتعريف في الكذب للجنس كأنّ ألسنتهم إذا نطقت كشفت عن حقيقته وعليه قول المعرّي :سرى برق المعرّة بعد وهن * فبات برامة يصف الكلالاونحوه نهاره صائم إذا وصف اليوم بما يوصف به الشخص لكثرة وقوع ذلك الفعل فيه ، وكذلك وجهها يصف الجمال لأنّ وجهها لما كان موصوفا بالجمال الفائق صار كأنه حقيقة الجمال ومنبعه الذي يعرف منه حتى كأنه يصفه ويعرفه كقوله :أضحت يمينك من جود مصوّرة * لا بل يمينك منها صوّر الجودفهو من الإسناد المجازي أو نقول إنّ وجهها يصف الجمال بلسان الحال فهو استعارة مكنية ، وعليه اقتصر في الكشف كأنه يقول ما بي هو الجمال بعينه ومثله وارد في كلام العرب والعجم هذا زبدة ما في شروح الكشاف وما في الآية أبلغ من المثال المذكور لما سمعت .
قوله : ( وقرئ الكذب بالجر الخ ) تبع فيه أبا البقاء رحمه اللّه تعالى لكنه تسمح في قوله من ما إذ المبدل منه هي مع مدخولها ، وفيه ردّ على الزمخشريّ إذ جعله نعتا لما المصدرية مع صلتها لأنّ المصدر المسبوك من أن ، وما المصدرية مع الفعل معرفة كالمضمر لا يجوز نعته ، وكذا أخواتهما فلا يقال أعجبني أن تقوم السريع بمعنى قيامك السريع . قوله : ( والكذب ) معطوف على ما قبله أي وقرئ الكذب بضم الكاف ، والذال المخففة جمع كذوب كصبور وصبر أو جمع كذاب بكسر الكاف ، وتخفيف الذال مصدر كالقتال وصف به مبالغة ، وجمع على فعل ككتاب وكتب ، وقيل إنه جمع كاذب كشارف وشرف ، وقوله وبالنصب هي قراءة مسلمة بن محارب كما نقله ابن عطية رحمه اللّه تعالى وخرجت على وجوه أحدها أنها منصوبة على الشتم والذم ، وهي نعت للألسنة مقطوع ، والثاني أن يكون بمعنى الكلم الكواذب يعني أنها مفعول بها والعامل فيها إمّا تصف أو القول أي لا تقولوا الكلم الكواذب ، والثالث أنه منصوب على أنه مفعول مطلق لتصف من معناه على أنه جمع كذاب المصدر ولبعده تركه المصنف رحمه اللّه تعالى وأعرب هذا حلال الخ . على ما مر ولا إشكال في إبداله لأنه كلم باعتبار مواده وكلامان ظاهرا . قوله : ( تعليل لا يتضمن معنى الغرض ) يعني أنها لام الصيرورة والعاقبة المستعارة من التعليلية كما مر تحقيقه إذ ما صدر منهم ليس لأجل هذا بل لأغراض أخر يترتب عليها ما ذكر ،