موسرا فظاهر ، وإن كان معسرا كان يطيب عيشه بالقناعة والرضا بالقسمة ، وتوقع الأجر العظيم في الآخرة بخلاف الكافر فإنه إن كان معسرا فظاهر ، وإن كان موسرا لم يدع الحرص ، وخوف الفوات أن يتهنأ بعيشه ، وقيل في الآخرة
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
من الطاعة
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ
إذا أردت قراءته كقوله تعالى :
إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ
[ سورة المائدة ، الآية : 6 ]
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ
فاسأل اللّه أن
شرح
والنصوص في تخفيف عذاب الكفرة بسبب أعمالهم الحسنة كقوله :وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ[ سورة النحل ، الآية : 85 ] وقوله :فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ[ سورة الزلزلة ، الآية : 7 ] وحديث أبي طالب أنه : « أخف الناس عذابا » « 1 » وردّ بأنّ هذا الحديث لا يدلّ إلا على تفاوت عذاب الكفرة بحسب تفاوت شرورهم زيادة ونقصانا ولا نزاع فيه ، وليس بشيء لأنه لا شيء أشدّ من الكفر المستحق صاحبه للعذاب الأليم ، وقد ورد في حق أبي طالب إنه لمحبته وحمايته للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم خفف عذابه ، وفي البخاريّ ما معناه « إنه في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه » « 2 » فقال الإمام الكرماني في شرحه فإن قلت أعمال الكفار كلها هباء منثورا يوم القيامة فكيف انتفع أبو طالب بعمله حتى شفع له صلّى اللّه عليه وسلّم قلت ليس هذا جزاء لعمله بل أو هو لرجاء غيره أو هو من خصائص نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم وبه يظهر التوفيق وسيأتي له تفصيل إن شاء اللّه تعالى .
قوله : ( كان يطيب عيشه بالقناعة والرضا بالقسمة ) أي بما قسم اللّه له وقدره ، والأجر العظيم في الآخرة على تخلف بعض مراداته عنه وضنك عيشه وهذه الأمور لا بد من وجود بعضها في المؤمن والأخير عام شامل لكلّ مؤمن فلا يرد عليه أنّ هذا لا يوجد في كل من عمل صالحا حتى يؤول المؤمن بمن كمل إيمانه أو يقال المراد من كان جميع عمله صالحا ، وتوقع الأجر العظيم إما على صبره على العسر أو على عمله الصالح ، وأن يتهنأ بالهمزة في آخره ، وقد تبدل ألفا ، وهو مفعول يدع أي يترك وقوله وقيل في الآخرة معطوف على قوله في الدنيا ، وقوله من الطاعة مر بيانه . قوله : ( إذا أردت قراءته ) يعني أنه مجاز مرسل كما في الآية المذكورة كما تشهد له فاء السببية والحديث المشهور عن جبير أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول قبل القراءة : « أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم » « 3 » وغيره مما استفاض رواية وعملا وتفصيله في كتب الآداب ، وهذا
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم 362 - 213 وأحمد 2631 والحاكم 4 / 581 كلهم من حديث ابن عباس ولفظه : « أهون الناس عذابا أبو طالب وفي رجليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه » . وصححه الحاكم .
( 2 ) أخرجه البخاري 3885 - 6564 من حديث أبي سعيد الخدري ولفظه « لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه أم دماغه » .
( 3 ) جيد . أخرجه أبو داود 764 وابن ماجة 807 كلاهما من حديث جبير بن مطعم وإسناده حسن .
وأخرجه الطيالسي 947 وأحمد 4 / 80 - 81 وابن الجارود 180 وابن حبان 1779 - 1780 وابن خزيمة 469 والبيهقي 2 / 35 والحاكم 1 / 235 وصححه ، ووافقه الذهبي روو من طرق عن جبير بن مطعم .