السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ
أداة تتعلمون بها فتحسون بمشاعركم جزئيات الأشياء فتدركونها ، ثم تتنبهون بقلوبكم لمشاركات ومباينات بينها بتكرار الإحساس حتى تتحصل لكم العلوم البديهية ، وتتمكنوا من تحصيل المعالم الكسبية بالنظر فيها
لَعَلَّكُمْ
شرح
وأهرقت مجرى أكرمت من الرباعي الصحيح ، ولم تقله العرب . وإنما قالوا أهرقت إهريق بفتح الهاء ، وكذا تفتح في اسم الفاعل ، والمفعول مهريق ، ومهراق بالفتح لها أو بدل من همزة لو ثبتت في تصريف الفعل فتحت فلو أبقوا تصريفه على أصله قلت في مضارعه يؤريق ، وفي اسم فاعله مؤرق ، ومفعوله مؤرق بفتح الهمزة فيها ، ومصدره هراقة كإراقة ، وإذا صرفوا أهرقت فمضارعه إهرق ومصدره إهراق ، واسم فاعله مهرق ، ومفعوله مهرق بسكون الهاء في جميعها فهذا يدلّ على أنه رباعيّ معتلّ ، والهاء بدل من الهمزة أو عوض من الحركة ا ه . قوله : ( جهالا الخ ) يشير إلى أنّ الجملة حالية ، وقوله مستصحبين الخ صفة كاشفة له ، وتفسير للا تعلمون ، وشيئا منصوب على المصدرية أو مفعول تعلمون ، والنفي منصب عليه أي لا تعلمون شيئا أصلا من حق المنعم وغيره ، وجهل الجمادية ما كانوا عليه قبل نفخ الروح . قوله : ( أداة تتعلمون بها فتحسون الخ ) الأداة الآلة ، وجملة وجعل لكم السمع ابتدائية أو معطوفة على ما قبلها ، والواو لا تقتضي الترتيب ، ونكتة تأخيره أنّ السمع ، ونحوه من آلات الإدراك إنما يعتدّ به إذا أحس وأدرك ، وذلك بعد الإخراج ، وجعل أن تعدّى لواحد فلكم متعلق به ، وهو بمعنى خلق ، وإن تعدّى لاثنين بمعنى صير فهو مفعوله الثاني ، وفي قوله مشاعر إشارة إلى أنّ السمع ، والبصر عبارة عن الحواس الظاهرة أو اكتفى به عن غيره إذ لكل منها مدخل في الإدراك ، وقوله أداة الخ تفسير لحاصل معنى جعلها لهم ، وأفرد لاتحادها في سببية الإدراك ، ولو جمع كان أظهر ، وكأنه تركه لئلا يتوهم دخول الأفئدة فيها وفاء فتحسون تفصيل ، وتفسير لما قبله ، ومشاعر جمع مشعر بفتح الميم ، وكسرها محلّ الشعور أو آلته ، والمراد الحواس الظاهرة . قوله :
( فتدركونها ) ترتيبه على ما قبله إمّا لأنّ تحسون بمعنى تقصدون الحس ولإدراك أو تستعملون الحواس أو بناء على تغايرهما فإنّ الإدراك للحس المشترك أو للعقل والإحساس للحواس الظاهرة ، وأمّا كونه تكريرا ، وتوكيدا فلا وجه له . قوله : ( وتتمكنوا من تحصيل المعالم الكسبية ) كان الظاهر أن يقول العلوم الكسبية لأنّ المعالم جمع معلم الشيء ، وهو مظنته وما يستدلّ به عليه ، وليس هذا محله ، وأمّا كونه جمع معلوم أو معلومة أي قضية معلومة فتكلف لا يساعده اللفظ والاستعمال فالظاهر أنه جمع علم والمراد به الأمر الكلي الذي سيتعلق به العلم لأنه محلّ للعلم في الجملة وعبر به دون معلوم لأنه ليس معلوما بالفعل للزوم تحصيل الحاصل أو استعمل مفعل بمعنى مفعول مجازا كمركب بمعنى مركوب كما في شرح المفصل ، وبالنظر متعلق بتتمكنوا أو بتحصيل ، والتمكن بترتيب ما عنده من المعلومات ، والمشاركات تقتضي الحكم إيجابا والمباينات سلبا ، ومحصله ما ذهب إليه الحكماء من أنّ النفس في أوّل أمرها خالية عن العلوم فإذا استعملت الحواس الظاهرة أدركت أمورا جزئية بمشاركات ومباينات جزئية