وإنكار على المشركين فإنهم يشركون باللّه بعض مخلوقاته في الألوهية ، ولا يرضون أن يشاركهم عبيدهم فيما أنعم اللّه عليهم فيساووهم فيه
أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
حيث يتخذون له شركاء فإنه يقتضي أن يضاف إليهم بعض ما أنعم اللّه عليهم ، ويجحدوا أنه من عند اللّه أو حيث أنكروا أمثال هذه الحجج بعد ما أنعم اللّه عليهم بإيضاحها والباء لتضمن الجحود معنى
شرح
يرضون للمشركين ، وعلى هذا فالتساوي منفيّ ، وعلى الأوّل مثبت لهم . قوله : ( فإنهم يشركون باللّه بعض مخلوقاته ) في الكشاف أنّ المعنى أنه جعلكم متفاوتين في الرزق فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم ، وهم بشر مثلكم ، وإخوانكم فكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم حتى تتساووا في الملبس ، والمطعم كما يحكى عن أبي ذرّ رضي اللّه تعالى عنه أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تلبسون ، وأطعموهم مما تطعمون » « 1 » فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت أفبنعمة اللّه يجحدون فجعل ذلك من جملة جحود النعمة ، وقيل هو مثل ضربه اللّه للذين جعلوا له شركاء فقال لهم أنتم لا تسوّون بينكم ، وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم ، ولا تجعلونهم فيه شركاء ، ولا ترضون ذلك لأنفسكم فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء ، وقيل المعنى أنّ الموالي ، والمماليك أنا رازقهم جميعا فهم في رزقي سواء فلا يحسبنّ الموالي أنهم يردّون على مماليكهم من عندهم شيئا من الرزق فإنما ذلك رزقي أجريه إليهم على أيديهم قال الشارح رحمه اللّه تعالى وتبعه غيره فسر الآية بوجوه أحدها بين فيها حسن الملكة وثانيها أن يكون تمثيلا والممثل به ما تعورف بين الناس من أحوال السادات مع المماليك فذكر لتوبيخ المشركين ، وثالثها أنها بيان للجميع لأنّ جميع النعم المعدودة من أوّل السورة إلى هنا واصل منه تعالى للعبد سواء الحرّ وغيره لئلا يمنّ أحد على أحد ، ووجه كونه تمثيلا بأنّ القرينة عليه كون الآية تخلصا إلى بيان قبائح الكفار وكفرانهم النعم في قوله ، ويعبدون من دون اللّه الخ وقوله أفبنعمة اللّه يجحدون تنبيه على القرينة ، وفيه بحث فإنّ معناه الحقيقي مراد منه بلا شبهة فلا يصح أن يكون تمثيلا بالمعنى المتعارف فالظاهر أنه كناية عما ذكر إلا أن يريد بالتمثيل كونه مثالا ، ونظيرا له والقرينة المذكورة لإرادة التمثيل بالمعنى المذكور ما ذكر وهذا كما قاله في سورة الروم :ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ[ سورة الروم ، الآية : 28 ] وقيل الفرق بين الأقاويل أنّ نعمته تعالى في القول الأوّل والثالث هي الرزق وفي القول الثاني نعمة اللّه مطلقا هذا والجحود في القول مجاز عن الكفران لأنّ جحود النعمة ملزوم له وإطلاق الملزوم على اللازم مجاز وفي الثالث استعارة شبه منع الرزق من المماليك بالجحود وفيه تأمل وإلى الوجه الثاني أشار المصنف رحمه اللّه تعالى بقوله
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود 5158 والترمذي 1945 كلاهما من حديث أبي ذر ، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح .