أخيك فسقاه فشفاه اللّه تعالى فبرأ فكأنما أنشط من عقال ، وقيل الضمير للقرآن أو لما بين
شرح
بالأنباء ) مرض ثمامة العبسيّ من خواص المأمون بالإسهال فكان يقوم في اليوم ، والليلة مائة مرّة ، وعجز الأطباء عن علاجه فعالجه يزيد بن يوحنا طبيب المأمون ، وأعطاه مسهلا فلما تناوله اتفق الأطباء على أنه لا يبقى لغد فقام إلى الزوال خمسين مرّة ، ومن الزوال إلى الغروب عشرين مرّة ، ثم إلى طلوع الشمس ثلاث مرات ، وانقطع إسهاله ونام ، وكان لا ينام قبله ، ثم أصلح له طعاما فتناوله ، وأفاق فسأله المأمون فقال هذا رجل في جوفه كيموس فاسد فلا يدخله غذاء ، ولا دواء إلا أفسده ذلك الكيموس فعلمت أنه لا علاج له إلا قلع ذلك الكيموس بالإسهال ، وإن كان مخاطرة لأنه أيس منه قال : وهذه الحكاية كما روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنه جاء إليه رجل من العرب فقال يا رسول اللّه إن أخي غلب عليه الجوف وداويناه فلم ينقطع عنه بشيء فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أطعمه عسل النحل فأطعمه إياه فزاد إسهاله لأنه مسهل فراجع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال :
أطعمه العسل فأطعمه فزاد إسهاله فشكى إليه عليه الصلاة والسّلام فقال أطعمه العسل فأطعمه في اليوم الثالث فتقاصر إسهاله حتى انقطع بالكلية فأخبر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك فقال صدق اللّه وكذب بطن أخيك » وإنما قال ذلك لأنه علم أنّ في معدة المريض رطوبات لزجة غليظة قد أزلقت معدته فكلما مرّ به شيء من الأدوية القابضة لم يؤثر فيها والرطوبات باقية على حالها والأطعمة تزلق عنها فيبقى الإسهال فلما تناول العسل جلا تلك الرطوبات ، وأحدرها فكثر الإسهال أوّلا بخروجها ، وتوالى ذلك حتى نفدت الرطوبة بأسرها فانقطع إسهاله وبرئ فقوله صدق اللّه يعني بالعلم الذي عرف نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم به ، وقوله كذب بطن أخيك يعني ما كان يظهر من بطنه من الإسهال ، وكثرته بطريق العرض ، وليس هو إسهالا ومرضا حقيقيا فكأنّ بطنه كاذبة في ذلك انتهى ففسر صدق اللّه في الحديث بما علمه في ذلك وفسره غيره بجعل العسل شفاء ودواء في الآية ، وجعل كذب بطنه استعارة مبنية على تشبيهها بالكاذب في كون ما ظهر من إسهالها ليس بأمر حقيقي وإنما هو لما عرض لها ، ولذا سمي مثله الأطباء زحيرا كاذبا ، وفرقوا بينه ، وبين الزحير الصادق بما هو معروف في علم الطب وهو وجه حسن ، وغيره ذهب إلى أنّ قوله كذب بطن أخيك من المشاكلة الضدية كقوله : من طالت لحيته تكوسج عقله ، وهي مما حققه المدقق في الكشف وغيره فمن قال إنها ليست بمعروفة وإنه إنما عبر به لأن بطنه كأنه كذب قول اللّه بلسان حاله لم يصب ، وقوله يشتكي بطنه يصح رفعه ونصبه ، وقوله فبرأ من البرء ، وفي نسخة برئ كفرح ، وهي لغة أيضا . قوله : ( فكأنما أنشط من عقال ) بالبناء للمجهول شبهه بالبعير الذي حلّ عقاله فأسرع الحركة ، والقيام قال في النهاية أنشط حل يقال نشطت العقدة إذا عقدتها وأنشطتها إذا حللتها ، وكثيرا ما يجيء كأنما نشط من عقال بغير همزة ، وليس بصحيح لما ذكرنا . قوله : ( وقيل الضمير للقرآن الخ ) مرضه لبعده ولدلالة الحديث ، والتفسير المأثور على خلافه وقوله بآجال مختلفة منها ما هو في سن الطفولية ومنها ما هو فيما بعده ، وهذا بيان للواقع ، وللمراد من النظم بقرينة قوله ومنكم من يردّ إلى أرذل العمر فإنه صريح فيه ، ولذا قيل