اللّه من أحوال النحل
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
فإنّ من تدبر اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة ، والأفعال العجيبة حق التدبر علم قطعا أنه لا بدّ له من قادر حكيم يلهمها ذلك ويحملها عليه
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ
بآجال مختلفة
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ
يعاد
إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ
أخسه يعني الهرم الذي يشابه الطفولية في نقصان القوّة والعقل ، وقيل هو خمس وتسعون سنة ، وقيل خمس وسبعون
لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً
ليصير إلى حالة شبيهة بحالة الطفولية في النسيان وسوء الفهم
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ
بمقادير أعمارهم
قَدِيرٌ
يميت
شرح
إن قوله ومنكم الخ معطوف على مقدر أي فمنكم من تعجل وفاته ومنكم الخ ويمكن حمل كلام المصنف رحمه اللّه تعالى عليه والخطاب إن كان للموجودين وقت النزول فالتعبير بالماضي ، والمستقبل فيه ظاهر ، وإن كان عاما فالمضي بالنسبة إلى وقت وجودهم والاستقبال بالنسبة للخلق . قوله : ( يعني الهرم الذي يشابه الطفولية الخ ) وصفه بكونه مشابها لحال صغره ، وبدء أمره ليتضح معنى قوله يرد فإنه لم يكن قبل ذلك حتى يتصور الرد أما إذا لوحظ نقص القوي تصوّر ذلك لأنه يردّه لما يشبه حاله الأولى كأنه ردّ إليها ، وهذا كقوله :نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ[ سورة يس ، الآية : 68 ] ففيه مجاز ، وعلى هذا أرذل العمر الهرم مطلقا ، وعلى ما يعده مقيد بذلك السن ، وهو مرويّ عن السلف وإنما مرضه لأنه يختلف باختلاف الأمزجة فرب معمر لم يهرم ، ورب هرم لم يبلغ ذلك السنّ فهو مبنيّ على الأغلب وقوله خمس وسبعون في بعض النسخ خمس وتسعون . قوله : ( ليصير إلى حالة شبيهة بحالة الطفولية في النسيان وسوء الفهم ) أشار بقوله ليصير إلى أنّ اللام هنا للصيرورة والعاقبة ، وهي في الأصل للتعليل ، وكي مصدرية ناصبة للفعل ، والمصدر المسبوك منهما مجرور باللام على المذهب الصحيح عند النحاة والجار والمجرور متعلق بيردّ ، وقوله في النسيان وسوء الفهم إشارة إلى أنّ كونه غير عالم بعد علمه كناية عن النسيان لأنّ الناسي يعلم الشيء ثم ينساه فلا يعلم بعد ما علم ، وهذه صفة الأطفال أو العلم بمعنى الإدراك والتعقل ، والمعنى لا يترقى في إدراك عقله وفهمه لأنّ الشابّ في الترقي ، والشيخ في التوقف ، والنقصان ، وفي الكشاف ليصير إلى حالة شبيهة بحال الطفولية في النسيان ، وأن يعلم شيئا ثم يسرع في نسيانه فلا يعلمه إن سئل عنه ، وقيل لئلا يعقل بعد عقله الأوّل شيئا ، وقيل لئلا يعلم زيادة علم على علمه الأوّل ، وتحقيقه ينظر في شروحه وشيئا منصوب على المصدرية أو المفعولية ، وجوّز فيه التنازع بين يعلم وعلم ، وكون مفعول علم محذوفا لقصد العموم أي لا يعلم شيئا ما بعد علم أشياء كثيرة . قوله : ( بمقادير أعمارهم الخ ) في نسخة أعماركم ، وهي ظاهرة وأما هذه فلكونه تفسيرا لا تقديرا له في كلام اللّه حتى يجري على مقتضاه مع أنه حينئذ يكون التفاتا ، وليس لمراعاة لفظ من كما توهم لأنّ الضمير ليس له بل هو عام للمخلوقين ومنهم من فسره بأنه مستمر على العلم الكامل لا يتغير علمه بمرور الأزمان فالاستمرار تقيده اسمية الجملة ، والكمال من صيغة المبالغة ، وقال إنه أنسب وأحسن ، وكذا الكلام في قدير ، ومقتضى السياق ما ذكره المصنف رحمه اللّه تعالى كما