تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 614

مساهمون:

ص٦١٤
لا تبنى في كلّ جبل وكلّ شجر وكلّ ما يعرش من كرم أو سقف ولا في كل مكان منها ، وإنما سمي ما تبنيه لتعسل فيه بيتا تشبيها ببناء الإنسان لما فيه من حسن الصنعة وصحة القسمة التي لا يقوى عليها حذاق المهندسين إلا بآلات وأنظار دقيقة ، ولعلّ ذكره للتنبيه على ذلك وقرئ بيوتا بكسر الباء للياء ، وقرأ ابن عامر وأبو بكر يعرشون بضم الراء
ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
من كل ثمرة تشهيتها مرّها وحلوها
فَاسْلُكِي
ما أكلت
سُبُلَ رَبِّكِ
في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النور المرّ عسلا من أجوافك أو فاسلكي الطرق التي ألهمك في عمل العسل ، أو فاسلكي راجعة إلى بيوتك سبل ربك لا تتوعر عليك ولا تلتبس
شرح
فيه التذكير ، وتأنيثه بالتأويل وهو مذهب الزمخشري ، وغيره من النحاة يخالفه كما نقلناه فمن ادّعى موافقة كلامه لهم فقد تعسف . قوله : ( ذكر بحرف التبعيض ) وهو من وفيه من البديع مع قوله من كلّ الثمرات صنعة الطباق وقوله كلّ ما يعرش من كرم أي يتخذ كالعرش من الكروم بهذا فسره السلف ، وقوله أو سقف هو تفسير الطبري ، وقوله ولا في كلّ مكان منها إشارة إلى أنّ التبعيض شامل للتبعيض بحسب الأفراد وبحسب الأجزاء ، ومن تستعمل لكلّ منهما ولا مانع من شموله لهما ، وفيه كلام أفرده بعض الفضلاء بالتأليف فإن أردت تفصيله فانظره ولا حاجة إلى جعله كلاما مستأنفا لبيان الواقع لا من مدلول من فتأمل . قوله : ( وقوله لتعسل فيه ) تفعيل من العسل أي تضع العسل فيه وقوله مشبها ببناء الإنسان يعني أنه استعارة لأن البيت مأوى الإنسان ، ومأوى غيره عش ، ووكر وحجر ونحوه ، وقوله وصحة القسمة لأنه مسدّس متساوي الأضلاع ، ولو كان غير مسدس بقي بينها فرج ضائعة ومثله يوضع بآلات كالبيركار وذكر البيوت واستعارتها لمأواها للتنبيه على ما ذكر ، وجمع فعل على فعول بالضم فكسره لمناسبة الياء ، وقوله بضم الراء هذا هو الموجود في النسخ الصحيحة ، ووقع في نسخة بكسر الراء ، وهو من تحريف النساخ . قوله : ( من كلّ ثمرة الخ ) إشارة إلى أنّ استغراق الجمع ، والمفرد بمعنى ، وليس الثاني أشمل على ما عرف في محله ، والثمر حمل الشجرة ، ويطلق على الشجرة نفسها قيل ، وهو المناسب هنا إذ التخصيص بحمل الشجرة خلاف الواقع لعموم أكلها للأوراق والأزهار والثمار ، ولا يخفى أنّ إطلاق الثمرة على الشجرة مجاز غير معروف ، وكونها تأكل من غيرها غير معلوم ، وغير مناف للاقتصار على أكل ما ينبت فيها ، وقوله تشهيتها بكسر التاء لخطاب المؤنث إشارة إلى أنّ العموم عرفي ، وقيل كلّ هنا للتكثير ، وقيل إنه إشارة إلى أنه عام مخصوص بالعادة ولو أبقى على ظاهره أيضا جاز لأنه لا يلزم من الأمر بالأكل من جميع الثمرات الأكل منها لأنّ الأمر للتخلية والإباحة . قوله : ( فاسلكي ما أكلت الخ ) سلك يكون متعدا بمعنى دخل كسلكت الخيط في الإبرة سلكا ولازما بمعنى دخل كسلك في الطريق سلوكا فإن كان متعديا فمفعوله محذوف ، وهو ما أكلت ، ولذا قدره المصنف رحمه اللّه تعالى والسبل جمع سبيل وهي الطريق ، وهي تحتمل أن يكون طريقا مجازية ، وهي طريق عمل العسل أو طريق إحالة الغذاء ، وهي الأجواف أو حقيقية ، وهي طريق المجيء والذهاب وعلى الأخير كلي
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 614 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي