والإلزام
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ
أي القرآن وإنما سمي ذكرا لأنه موعظة وتنبيه
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
في الذكر بتوسط إنزاله إليك مما أمروا به ونهوا عنه ، أو مما تشابه عليهم والتبيين أعمّ من أن ينص بالمقصود أو يرشد إلى ما يدلّ عليه كالقياس ، ودليل العقل
وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
وإرادة أن يتأملوا فيه فيتنبهوا للحقائق
أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ
أي المكرات السيئات ، وهم الذين احتالوا لهلاك الأنبياء أو الذين مكروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وراموا
شرح
إليهم أي نوحي إليهم ملتبسين بالبينات ، وقوله فاسألوا اعتراض أيفَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَبتمامها جملة معترضة لأنها شرطية أو في قوتها ، وهو جار على الوجوه المتقدّمة أو غير الأوّل ، وتصدير الجملة المعترضة بالفاء صرّح به في التسهيل وغيره ، وما نقل من منعه ليس يثبت كما في الكشف ، ثم إذا كان اعتراضا بين مقصوري حرف الاستثناء فمعناه :فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ[ سورة النحل ، الآية : 43 ] أنهم رجال ملتبسون بالبينات ، وعلى هذا يقدر الاعتراض مناسبا لما تخلل بينهما وأشبه الوجوه أن يكون على كلامين ليقع الاعتراض موقعه اللائق به لفظا ، ومعنى كذا أفاده المدقق في الكشف ، وقوله من القائم مقام فاعله ، وهو إليهم على القراءة المشهورة . قوله : ( على أنّ الشرط للتبكيت والإلزام ) كقول الأجير إن كنت عملت لك فأعطني حقي فإنّ الأجير لا يشك في أنه عمل ، وإنما أخرج الكلام مخرج الشك لأن ما يعامل به من التسويف معاملة من يظنّ بأجيره أنه لم يعمل فهو يلزمه بما علم ، ويبكته بالتقصير مجهلا له فكذا هنا لا يشك في أن قريشا المخاطبين بهذا لم يكونوا عالمين بالكتب فيقول إن كون الرسل كذلك أمر مكشوف لا شبهة فيه :فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ *[ سورة النحل ، الآية : 43 ] إن لم تكونوا من أهله يبين لكم أن إنكاركم وأنتم لا تعلمون ليس بسديد وإنما السديد السؤال منهم لا الإنكار وقد جوّز أن لا يخص أهل الذكر بأهل الكتاب ليشمل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ولو خص بهم جاز لأنهم موافقون لهم ، وإنكارهم إنكارهم ومنه يعلم وجه تخصيص التبكيت ، والإلزام بتعلقه بتعلمون على أنّ الباء سببية لا زائدة ، والمفعول محذوف فلا يتجه إنه يمكن اعتباره في الوجوه المتقدّمة أيضا فتدبر . قوله : ( وإنما سمي ذكرا لأنه موعظة وتنبيه ) أي لأنّ فيه ذلك فالذكر من التذكير إما بمعنى الوعظ أو بمعنى الإيقاظ من سنة الغفلة ، ولاشتماله على ما ذكر أطلق عليه أو لأنه سبب له ، وقوله في الذكر الخ بيان لأنّ إنزاله ليس بالذات بل بالواسطة ، وقوله مما أمروا بيان فما نزل وقوله كالقياس يدخل فيه إشارة النص ، ودلالته ، وما يستنبط منه من العقائد ، والحقائق . قوله : ( وإرادة أن يتأملوا فيه ) قيل عليه إنّ الإرادة لا ينفك عنها المراد على المذهب الحق يعني ، وهم كلهم لم يتأملوا ، ويتنبهوا فيلزم الانفكاك فهو مناسب لمذهب المعتزلة ، إلا أن يراد بها مطلق الطلب أو يراد تعلق الإرادة بالبعض لا بالكلّ إذ ليس فيه نص على كلية ، وجزئية .
قوله : ( المكرات السيئات ) لما كان مكر لازما جعل صفة للمصدر فهو مفعول مطلق ،