وأما قوله جاعل الملائكة رسلا معناه رسلا إلى الملائكة أو إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، وقيل لم يبعثوا إلى الأنبياء إلا متمثلين بصورة الرجال وردّ بما روي أنه عليه الصلاة والسّلام رأى جبريل صلوات اللّه عليه على صورته التي هو عليها مرتين ، وعلى وجوب المراجعة إلى العلماء فيما لا يعلم
بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ
أي أرسلناهم بالبينات والزبر أي المعجزات والكتب كأنه جواب قائل قال بم أرسلوا ، ويجوز أن يتعلق بما أرسلنا داخلا في الاستثناء مع رجالا أي وما أرسلنا إلا رجالا بالبينات كقولك ما ضربت إلا زيدا بالسوط ، أو صفة لهم أي رجالا ملتبسين بالبينات ، أو بيوحي على المفعولية أو الحال من القائم مقام فاعله ، وهو إليهم على أنّ قوله فاسألوا اعتراض أو بلا تعلمون على أنّ الشرط للتبكيت ،
شرح
مريم أيضا ، وقد ذهب إليه جماعة ، وصححه ابن السيد ، وقوله إلى الملائكة أو إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام لا للدعوة العامة ، وهو المدعي ، والرسول على الأوّل بمعناه المصطلح ، وعلى الثاني بمعناه اللغويّ ، وفي نسخة ولا ملكا مكان قوله ولا صبيا . قوله : ( وردّ بما روي الخ ) « 1 » القائل هو الجبائيّ والردّ المذكور وارد على الحصر المقتضي للعموم فلا يرد عليه أنه لا دلالة فيما روي على رؤية من قبل نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم لجبريل عليه الصلاة والسّلام على صورته مع أنه إذا ثبت ذلك للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فلا مانع من ثبوته لغيره أيضا ، وقد نقل الإمام عن القاضي أنّ مراد الجبائي أنهم لم يبعثوا إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام بحضرة أممهم ورؤيته على صورته لم تكن بمحضر منهم وقوله وعلى وجوب الخ معطوف على قوله على أنه تعالى الخ ، والوجوب مستفاد من الأمر . قوله : ( أي أرسلناهم بالبينات والزبر الخ ) يعني أنه متعلق بمقدر يدلّ عليه ما قبله ، وهو مستأنف استئنافا بيانيا ولدا عطف عليه ، ويجوز الخ وإنما قدّمه لأنه المختار السالم من الاعتراض ، وفسر البينات ، والزبر بما ذكر وقوله ، ويجوز أن يتعلق بما أرسلنا داخلا في الاستثناء فيه تسمح لأنه متعلق بأرسلنا فقط ، ودخوله في الاستثناء ، والحصر بناء على ما جوّزه بعض النحاة . من جواز أن يستثنى بأداة واحدة شيئان دون عطف فيقال ما أعطى أحد شيئا إلا زيد درهما ، وأنه يجري في الاستثناء المفرع أيضا لكن أكثر النحاة على منعه كما صرّح به صاحب التسهيل ، وغيره وأمّا تعلقه به من غير دخوله في الاستثناء على أنّ أصله ما أرسلنا بالبينات ، والزبر إلا رجالا فخلاف ظاهر الكلام ، وإخراج له عن سنن الانتظام وأيضا فيه عمل ما قبل إلا فيما بعدها من غير داع ، وهو ممنوع أيضا عند أكثر النحاة . قوله : ( أو صفة لهم ) أي للرجال لا حالا عنه لتنكره ، وتقدّمه وهو معطوف على داخلا لأنه متعلق معنى بأرسلنا ، وكونه مفعولا ليوحي بواسطة الباء ، ومثله يسمى مفعولا أيضا ، والحالية من ضمير الرجال في قولهم
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 3232 ومسلم 174 - 282 والترمذي 3277 والطيالسي 358 وابن حبان 6427 والطبراني في « الكبير » 9055 والبغوي 4 / 245 - 246 والبيهقي 2 / 271 كلهم من حديث عبد اللّه بن مسعود قال : رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح .