ظلمهم قريش فهاجر بعضهم إلى الحبشة ، ثم إلى المدينة أو المحبوسون المعذبون بمكة بعد هجرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهم بلال وصهيب وخباب وعمار وعابس وأبو جندل وسهيل رضي اللّه تعالى عنهم وقوله في اللّه أي في حقه ولوجهه
لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً
مباءة حسنة وهي المدينة ، أو تبوئة حسنة
وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ
مما يعجل لهم في الدنيا وعن عمر رضي اللّه تعالى عنه أنه كان إذا أعطى رجلا من المهاجرين عطاء قال له : خذ بارك اللّه لك فيه هذا ما وعدك اللّه في الدنيا وما ادّخر لك في الآخرة أفضل
لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
الضمير للكفار أي لو علموا أنّ اللّه يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدارين لوافقوهم ، أو
شرح
وهو المراد هنا وكأنه مجاز ، والمهاجرون من الحبشة إلى المدينة يقال لهم ذوو الهجرتين والمحبوسون ممن هاجر إلى المدينة أيضا ، وقوله أو المحبوسون الخ معطوف على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأصحابه وهذا القول منقول عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما وأمر هؤلاء معروف في السير ، ثم في أسماء هؤلاء المحبوسين اختلاف في التفاسير ففي بعضها جبير وما وقع في بعضها بدل أبو جندل بن جندل فخطأ من الناسخ لكنه أورد عليه أنه على القولين تكون الآية مدنية فيخالف قوله في أوّل السورة إنها مكية ، إلا ثلاث آيات في آخرها ، وإذا كان هذا التفسير مأثورا فلا بدّ من الذهاب إلى أنّ فيها مدنيا غير ذلك ، وأنّ ما ذكره تبع فيه المشهور اللهمّ إلا أن يراد بالمكي ما نزل في حق أهل مكة أو ما نزل بغير المدينة أو يكون أخبر به قبل وقوعه ، وكله خلاف الظاهر ، وفيه أن هجرة الحبشة كانت قبل هجرة المدنية فلا مانع من كونها مكية بالمعنى المشهور على القول الأوّل الأصح ، ولا ينافيه قوله ، ثم إلى المدينة لأنه بيان للواقع لا للهجرة المذكورة في النظم فلا يرد عليه ما ذكر . قوله : ( في حقه ولوجهه ) أي الذين هاجروا مخلصين لوجه اللّه لا لأمر دنيويّ ، وهو إشارة إلى أن في علي ظاهرها ، وأنها هجرة متمكنة تمكن الظرف في مظروفه فهي ظرفية مجازية أو للتعليل كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ امرأة دخلت النار في هرة » « 1 » وقيل إنه إشارة إلى أنها ظرفية مجازية ، وقوله لوجهه بيان لحاصل المعنى ، ولو كان إشارة إلى كون في للتعليل لقال في اللّه أي لوجهه . قوله : ( مباءة حسنة الخ ) المباءة بالمد المنزل من بوّأه بمعنى أنزله ، وإنما قدر مباءة ليكون تقديره أظهر لدلالة الفعل عليه ، وليس تقدير دارا أحسن منه إلا أنه مأثور هنا عن الحسن لأنّ المراد به المدينة موافقة لقوله تعالى :تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ[ سورة الحشر ، الآية : 9 ] فهو إما صفة أو مفعول به إن ضمن الفعل معنى نعطيهم وإذا قدر تبوئة فهو صفة مصدر محذوف ، وقوله ولأجر الآخرة أي المعدّ لهم كما أشار إليه المصنف رحمه اللّه تعالى بقوله مما يعجل لهم في الدنيا ، وقوله وعن عمر الخ روي
هامش
( 1 ) هو بعض حديث أخرجه مسلم 2619 وابن ماجة 4456 وأحمد 2 / 269 وابن حبان 5621 كلهم من حديث أبي هريرة بلفظ : « دخلت امرأة النار في هرة ربطتها ، فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت » .