للمهاجرين أي لو علموا ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم
الَّذِينَ صَبَرُوا
على الشدائد كأذى الكفرة ومفارقة الوطن ، ومحله النصب أو الرفع على المدح
وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
منقطعين إلى اللّه مفوّضين إليه الأمر كله
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ
ردّ لقول قريش اللّه أعظم من أن يكون رسوله بشرا أي جرت السنة الإلهية بأن لا يبعث للدعوة العامّة إلا بشرا يوحى إليه على ألسنة الملائكة ، والحكمة في ذلك قد ذكرت في سورة الأنعام فإن شككتم فيه
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ
أهل الكتاب أو علماء الأحبار ليعلموكم
إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
وفي الآية دليل على أنه تعالى لم يرسل امرأة ولا صبيا للدعوة العامة ،
شرح
هذا عنه ابن جرير وابن المنذر . قوله : ( لوافقوهم ) أي فيما هم عليه من الإسلام وغيره ، وقوله أو للمهاجرين قيل عليه إنه قال في معالم التنزيل إن الضمير للمشركين لا للمهاجرين لأنهم كانوا يعلمون ذلك ، ودفع بأن المراد علم المشاهدة فإنّ الخبر ليس كالعيان أو المراد العلم التفصيلي ، ويجوز أن يكون الضمير للمتخلفين عن الهجرة يعني لو علم المتخلفون عن الهجرة للمهاجرين من الكرامة لوافقوهم ، وقوله ومحله النصب أي بتقدير أعني أو الرفع بتقديرهم ، ويجوز أن يكون تابعا للذين هاجروا بدلا أو بيانا أو نعتا . قوله : ( مفوّضين إليه الأمر كله ) الكلية مأخوذة من تعميم التوكل بحذف متعلقه أو من تقديم الجار والمجرور إذ معناه على ربهم وحده ، وكونه لرعاية الفواصل ليس بمتعين كما قيل ، وحينئذ فالتعبير بالمضارع ، إما للاستمرار أو لاستحضار تلك الصورة البديعة ، وقوله منقطعين حال مؤكدة . قوله : ( ردّ لقول قريش الخ ) أي ردّ لمقالهم هذا الذي جعلوه شبهة في الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام وقوله إلا بشرى أي لا ملكا واحترز بقوله للدعوة العامة عن بعث الملائكة للأنبياء عليهم الصلاة والسّلام للتبليغ أو لغيره كإرسالهم لمريم للبشارة ، وما قيل من أنه المراد العموم لكافة الناس لأنه مخصوص بنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم بل المراد العموم لكثير من الناس لا صحة له مع ما فيه من الخلل لفظا ومعنى ، وقوله على ألسنة الملائكة عليهم الصلاة والسّلام جمعه لتعدّدهم ، وليس هذا مخالفا لقوله :وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ[ سورة الشورى ، الآية : 51 ] وغيره من أقسام الوحي لأنه ليس المقصود به التخصيص ، وإنما اقتصر عليه لأنه الأغلب وقوله قد ذكرت في سورة الأنعام أي في قوله تعالى :وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًاوقد مرّ تحقيقه . قوله : ( فإن شككتم فيه الخ ) ليس بيانا لأنه جواب شرط مقدّر بل بيان لحاصل المعنى فلا يرد عليه أن للنحاة في مثله قولين إمّا أنه جواب مقدّم أو دليل الجواب وهذا مخالف للقولين ، وهذا جار على الوجوه الآتية في إعراب قوله بالبينات إلا الأخير كما ستراه ، وقوله أهل الكتاب إشارة إلى أنّ الذكر بمعنى الكتاب لما فيه من الذكر ، والعظة كقوله :إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ *[ سورة يس ، الآية : 69 ] وقوله أو علماء الأحبار أي أحبار الأمم السالفة فالذكر بمعنى الحفظ . قوله : ( وفي الآية دليل على أنه تعالى لم يرسل امرأة ولا صبيا ) ولا ينافيه نبوّة عيسى عليه الصلاة والسّلام في المهد فإنّ النبوّة أعمّ من الرسالة ، ولا يقتضي صحة القول بنبوة