تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 583

مساهمون:

ص٥٨٣
يعتقدوا قبح أعمالهم وفيما بعده تنبيه على الجواب عن الشبهتين
كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
فأشركوا باللّه وحرّموا حله وردّوا رسله
فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ
إلا الإبلاغ الموضح للحق وهو إن لم يؤثر في هدي من شاء اللّه هداه لكنه مؤدي إليه على سبيل التوسط ، وما شاء اللّه وقوعه إنما يجب وقوعه لا مطلقا بل بأسباب قدرها له ثم بين أنّ البعثة أمر جرت به السنة الإلهية في الأمم كلها سببا لهدى من أراد اهتداءه ، وزيادة لضلال لمن أراد ضلاله كالغذاء الصالح فإنه ينفع المزاج السويّ ويقويه ، ويضرّ المنحرف ويفنيه بقوله تعالى :
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
يأمر بعبادة اللّه تعالى واجتناب الطاغوت
فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ
وفقهم للإيمان بإرشادهم
وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ
إذ لم يوفقهم ، ولم يرد هداهم وفيه تنبيه على فساد الشبهة الثانية لما فيه من الدلالة على أنّ تحقق الضلال ، وثباته بفعل اللّه تعالى وإرادته من حيث إنه قسيم من هدى اللّه قد صرّح به في الآية الأخرى
فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ
يا معشر قريش
فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
من عاد وثمود وغيرهم لعلكم تعتبرون
إِنْ
شرح
سلمنا القبح في هذه الأعمال فهي بمشيئة اللّه لا بقدرتنا ، واختيارنا إلا أن يقال إنه سند لمنع كون قولهم ذلك على سبيل الاعتذار فلا يرد عليه ما ذكر ، وفيه أنّ فرض القبح لا يلائم مقام الإنكار ، والاحتجاج المذكور فتأمّل وقوله تنبيه على الجواب الخ سيأتي بيانه ، وقوله وردّوا رسله عليهم الصلاة والسّلام يؤخذ مما ذكر لأنه يلزمه . قوله : ( إلا الإبلاغ الموضح الخ ) إشارة إلى أنّ البلاغ مصدر بمعنى الإبلاغ ، وأنّ المبين من أبان المتعدّي ، وقوله مؤد إليه على سبيل التوسط أي توسط أسباب أخر قدرها ، وهذا هو الجواب عن الشبهة الأولى لأنه علم منه أن ما شاء اللّه ، وجوده أو عدمه لا يجب ولا يمتنع مطلقا ، وقوله قدرها له أي توقف عليها تعلق إرادته تعالى فرشد النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إليها ، وقوله ثم بين وفي نسخة تبين هو معنى قوله ، ولقد بعثنا الخ وقوله سببا لهدى الخ إشارة إلى معنى الفاء في قوله فمنهم من هدى اللّه الخ ، وقوله وزيادة لضلال إشارة إلى أنّ الناس لا تخلو عن ضلال ما لم يبعث فيهم نبيّ ، وقوله بقوله متعلق بين ، وقوله بعبادة اللّه الخ إشارة إلى أن أن مصدرية لا تفسيرية ، وقيل إنه يحتملهما وقوله وفقهم الخ إشارة إلى أن الهداية هنا موصلة لا دلالة مطلقة . قوله : ( وفيه تنبيه على فساد الشبهة الثانية الخ ) الشبهة الثانية هي أنها لو كانت مستقبحة ما شاء اللّه صدورها عنهم يعني أنه لما وقع قسيما للهداية ، وهي بإرادته اقتضى ذلك أن يكون بإرادته أيضا وأما أنّ إرادة القبيح قبيحة فلا يجوز اتصافه تعالى به فظاهر الفساد لأنّ القبيح كسبه ، والاتصاف به لا خلقه وإيجاده على ما تقرر في الكلام ، وقوله في الآية الأخرى يعني قوله فإنّ اللّه لا يهدي من يضل ، وقوله يا معشر خصهم لأنهم المخاطبون ، وفي الفاء إشعار بوجوب المبادرة إلى النظر ، والاستدلال المنقذين من الضلال ، وقوله لعلكم تعتبرون إشارة إلى جواب الأمر المقدر ، وأنّ المقصود مما ذكر
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 583 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي