تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 563

مساهمون:

ص٥٦٣
سبب للتحريك ، فلما خلقت الجبال على وجهها تفاوتت جوانبها ، وتوجهت الجبال بثقلها نحو المركز فصارت كالأوتاد التي تمنعها عن الحركة ، وقيل لما خلق اللّه الأرض جعلت تمور ، فقالت الملائكة : ما هي بمقرّ أحد على ظهرها ، فأصبحت وقد أرسيت بالجبال
وَأَنْهاراً
وجعل فيها أنهارا لأنّ ألقي فيه معناه
وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
لمقاصدكم أو
شرح
بالاستدارة ) قيل لا وجه لهذا على مذهب أهل الحق ، ولا على مذهب الفلاسفة أمّا الأوّل فلأنّ ذات الشيء لا تقتضي تحرّكه ، وإنما ذلك بإرادة اللّه تعالى ، وأما الثاني فلأنّ الفلاسفة لم يقولوا إنّ حق الأرض أن تتحرّك بالاستدارة لأنّ في الأرض ميلا مستقيما ، وما هو كذلك لا يكون فيه صيد وميل مستدير على ما ذكروا في العلم الطبيعي ، وأورد أيضا على منع الجبال لها من الحركة أنه قد ثبت في الهندسة أنّ نسبة أعظم جبل في الأرض ، وهو ما ارتفاعه فرسخان وثلث فرسخ إلى جميع الأرض نسبة خمس سبع عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع ، ولا ريب في أنّ ذلك القدر من الشعيرة لا يخرج تلك الكرة عن الاستدارة بحيث يمنعها عن الحركة ، وكذا حال الجبال بالنسبة إلى كرة الأرض فالصحيح أن يقال خلق اللّه الأرض مضطربة لحكمة لا يعلمها إلا هو ، ثم أرساها بالجبال على جريان عادته في جعل الأشياء منوطة بالأسباب ، وفيه أنه يرد عليه ما أورده ، واعلم أنّ من أصحاب العلوم الرياضية من ذهب إلى أنّ الأرض متحرّكة على ما فصله في نهاية الإدراك مع ردّه ، وأمّا كون الأرض ذات ميد وميل مستقيم فيمتنع أن تتحرّك على الاستدارة بالطبع فهو مبرهن في محله لكن قال الإمام الجمهور على أنه تعالى لما خلق الأرض على وجه الماء اضطربت فخلق عليها هذه الجبال الثقال فاستقرت على وجه الماء بسبب ثقل هذه الجبال كما أنّ السفينة إذا ألقيت على وجه الماء تميل من جانب إلى جانب فإذا وضعت فيها الإجرام الثقيلة استوت على وجه الماء ، واستقرّت ، وهذا مشكل لأنه سطح الماء إن كان حيز الأرض الطبيعي وجب سكونها ، واستقرارها وإن لم يكن حيزها الطبيعي ، وهي أثقل من الماء فلا بد من غوصها في الماء فلم تبق على وجه الأرض مضطربة ، وأجاب بأنّ الأرض كرة من حقها أن تتحرك بالاستدارة كالفلك أو تتحرك بأدنى سبب فلما خلقت عليها الجبال توجهت نحو مركز العالم بثقلها العظيم فكانت جارية مجرى الأوتاد التي منعت الأرض عن الاستدارة فمنعها الأرض عن الميد والاضطراب هو الذي منعها من الحركة المستديرة ، وقد تبعه المصنف رحمه اللّه تعالى على عادته ، وأنت إذا تأملته علمت أنّ ما اعترضوا به غيروا رد لأنها من حيث هي كريتها تقتضي الحركة المستديرة بالذات والميل المستقيم عارض لها بالثقل فلا منافاة بينه وبين ما تقرّر في الطبيعي ، وليس هذا محلا يسع تحقيقه ، ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق . قوله : ( ما هي بمقرّ أحد على ظهرها ) مقرّ بفتح الميم اسم مكان من القرار والباء زائدة ، وقيل إنّ الظاهر أنه يضمها اسم فاعل من الإقرار بمعنى جعل الشيء قارا والتذكير باعتبار المكان ، ولا داعي له . قوله : ( وجعل فيها أنهار الخ ) لما كان الإلقاء بمعنى الطرح لا تتصف به الأنهار أشار إلى تسلطه عليه باعتبار ما فيه من معنى الجعل والخلق أو تضمينه إياه