تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 561

مساهمون:

ص٥٦١
مبني الإيمان على العرف ، وهو لا يفهم منه عند الإطلاق ، ألا ترى أنّ اللّه تعالى سمى الكافر دابة ، ولا يحنث الحالف على أن لا يركب دابة بركوبه
وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها
كاللؤلؤ والمرجان ، أي تلبسها نساؤكم فأسند إليهم لأنهنّ من جملتهم ، ولأنهنّ يتزين بها لأجلهم
وَتَرَى الْفُلْكَ
السفن
مَواخِرَ فِيهِ
جواري فيه تشقه بحيزومها ،
شرح
( وأجيب عنه بأن مبني الإيمان على العرف ) أي على ما يتفاهمه الناس في عرفهم لا على الحقيقة اللغوية ، ولا على استعمال القرآن ، ولذا لما أفتى الثوري بالحنث بأكل السمك لمن حلف لا يأكل لحما لهذه الآية ، وبلغ أبا حنيفة قال للسائل ارجع ، واسأله عمن حلف لا يجلس على بساط فجلس على الأرض هل يحنث لقوله تعالى :جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً[ سورة نوح ، الآية : 19 ] فقال له كأنك السائل أمس قال نعم فقال لا تحنث في هذا ، ولا في ذاك ، ورجع عما أفتى به أوّلا قال ابن الهمام فظهر أنّ متمسك أبي حنيفة العرف لا ما في الهداية من أنّ القياس الحنث ، ووجه الاستحسان أن التسمية القرآنية مجازية لأنّ منشأ اللحم الدم ، ولا دم فيه لسكونه الماء مع انتقاضه بالألية فإنها تنعقد من الدم ، ولا يحنث بأكلها ، وقيل عليه إنه يجوز أن يكون في المسألة دليلان ليس بينهما تناف ، وما ذكره من النقض مدفوع بأن المذكور كل لحم ينشأ من الدم ، ولا يلزم عكسه الكلي ، ولا يخفى ما فيه فإنّ إطلاق اللحم على السمك لغة لا شبهة فيه فينقض الطرد والعكس فمراد المدقق الردّ عليه بزيادة في الإلزام نعم قد يقال مراده بالمجاز المذكور أنه مجاز عرفي كالدابة إنما أطلقت على الإنسان فيرجع كلامه إلى ما قاله أبو حنيفة رحمه اللّه ، وحينئذ لا غبار عليه ، وما ذكره بيان لوجه الاستعمال العرفيّ فلا يرد عليه شيء فتأمّل ، وكون السمك عذبا تسمح ، والزعاق بضم الزاي ، والعين المهملة المرّ الذي لا يشرب ، وفي الكشاف إذا قال الرجل لغلامه اشتر بهذه الدراهم لحما فجاء بالسمك كان حقيقا بالإنكار ، وتعقب بأن الإنكار إنما جاء من ندرة اشتراء مثله لأنه غير متعارف ، وفيما نحن فيه اشتراء السمك ، ولحمه متعارف فمحل الإنكار إطلاق اللحم عليه . قوله : ( كاللؤلؤ المرجان ) في تهذيب الأسماء المرجان فسره الواحدي بعظام اللؤلؤ ، وقال أبو الهيثم صغاره ، وقال آخرون : هو جوهر أحمر يسمى النسيد وهو قول ابن مسعود رضي اللّه عنه ، وهو المشهور في عرف الناس . قوله : ( فأسند إليهم لأنهنّ من جملتهم الخ ) لما كان الحلي من لبس النساء دون الرجال وجهه بأنه أسند إلى الرجال لاختلاطهم بالنساء ، وكونهم متبوعين أو لأنهم سبب لتزينهنّ فإنهنّ يتزينّ ليحسنّ في أعينهم أو هو من المجاز في الطرف فمعنى تلبسون تتمتعون وتلتذون على طريق الاستعارة أو المجاز ، ولو جعل من مجاز البعض لصح أن تلبسها نساؤكم ، وأمّا كونه تغليبا ، أو من إسناد ما للبعض إلى الكل فلا وجه له أمّا الأوّل فلعدم التلبس بالمسند ، وهو اللبس ، وأمّا الثاني فلأنه لا يتمّ بدون المجاز في الطرف ، واستدل أبو يوسف ومحمد رحمهما اللّه تعالى بهذه الآية على أنّ اللؤلؤ يسمى حليا حتى لو حلف لا يلبس
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 561 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي