ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ
عطف على الليل أي وسخر لكم ما خلق لكم فيها من حيوان ونبات
مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ
أصنافه فإنها تتخالف باللون غالبا
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
إنّ اختلافها في الطباع والهيئات والمناظر ليس إلا بصنع صانع حكيم
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ
جعله بحيث تتمكنون من الانتفاع به بالركوب ، والاصطياد والغوص
لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا
هو السمك ووصفه بالطراوة لأنه أرطب اللحوم ، فيسرع إليه الفساد فيسارع إلى أكله ، ولاظهار قدرته في خلقه خلقه عذبا طريا في ماء زعاق ، وتمسك به مالك والثوري على أنّ من حلف أن لا يأكل لحما حنث بأكل السمك . وأجيب عنه بأنّ
شرح
إلى إبطال التسلسل على ما قرّره لا تكون الدلالة محوجة إلى استيفاء فكر ، وإنّ المقام غير محتاج إلى ذلك لأنه للردّ على عبدة الأوثان المعترفين بأنه خلق كل شيء ، وأمّا التعكيس بجعل الاستدلال بالآثار العلوية أدق من الاستدلال بالسفلية لأنّ اختلاف أحوال النبات ، ونحوه مشاهد بخلاف العلوية لاحتياجها إلى تدقيقات حكمية وهندسية فهو وإن كان له وجه غير ملائم للمقام ، ولما في الفاصلتين من الختام فتدبر . قوله : ( عطف على الليل الخ ) ذرأ بمعنى خلق ومنه الذرّية على قول قيل عليه إنّ فيه شبه التكرار لأنّ اللام في ذرأ لكم للنفع ، وقد جعل سخر لكم بمعنى نفعكم فمآل المعنى نفعكم بما خلق لنفعكم فالأولى جعله في محل نصب بفعل محذوف أي خلق أو أنبت كما قاله أبو البقاء رحمه اللّه ، وما قيل من أنّ الخلق للإنسان لا يستلزم التسخير لزوما عقليا فإنّ الغرض قد يتخلف مع أنّ الإعادة لطول العهد لا تنكر ردّ بأنه غفلة عن كون المعنى نفعكم ، وما ذكره علاوة مبنيّ على كون لكم متعلقا بسخر أيضا ، وهو عند المصنف رحمه اللّه متعلق بذرأ وهذا ليس بشيء لأنّ التكرار لما ذكر ، وللتأكيد أمر سهل ، وكون المعنى نفعكم لا يأباه مع أنّ هذه الآية سيقت كالفذلكة لما قبلها ، ولذا ختمت بالتذكر وقوله أصنافه إشارة إلى أنه مجاز عما ذكر كما يقال ألوان الطعام ، وهو مجاز معروف في العربية ، وغيرها قال الراغب الألوان يعبر بها عن الأجناس ، والأنواع يقال فلان أتى بألوان من الحديث ، والطعام . قوله : ( أنّ اختلافها في الطباع ) أي اختلاف طبائعها ، وهيئاتها ، وأشكالها مع اتحاد مدّتها يدل على الفاعل الحكيم المختار كما مرّ تقريره ، وقيل المراد بالطباع الصفات التي تتميز بها الأجسام المتماثلة كما هو مذهب المتكلمين القائلين بتماثل الأجسام فلا يرد أنّ الماهيات ليست بجعل جاعل ، ولا داعي لما ذكره ، ولا قرينة على أنه المراد منه . قوله :
( ووصفه بالطراوة لأنه أرطب اللحوم ) ، والرطوبة مستعدّة للتغير فلذا كان سريع الفساد والاستحالة ، وقوله فيسارع إلى أكله إشارة إلى أنه ينبغي تناوله طريا من ساعته ، وقد قال الأطباء إنّ تناوله بعد طراوته من أضرّ الأشياء ففيه إدماج لحكم طبيّ ، وهذا لا ينافي تقديده ، وأكله مخللا كما توهم ، ومنه متعلق بتأكلون أو حال ، ومن ابتدائية أو تبعيضية ، وطريّ فعيل من طرو يطرو طراوة أو طرأ يطرأ ، ويقال طراوة وطراء كشقاوة ، وشقاء والطراوة ضدّ اليبوسة . قوله :