ويشتمل كل منها على أجسام مختلفة الأشكال والطباع مع اتحاد الموادّ ، ونسبة الطبائع السفلية ، والتأثيرات الفلكية ، إلى الكل علم أنّ ذلك ليس إلا بفعل فاعل مختار مقدّس عن منازعة الأضداد والأنداد ، ولعلّ فصل الآية لذلك
وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ
بأن هيأها لمنافعكم
مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ
حال من الجميع أي نفعكم بها
شرح
بيتفكرون لتضمينه معنى يستدلون قيل كان المناسب لما سبق من قوله في تفسير قوله أنه لا إله إلا أنا فاتقون ، والآيات بعدها دليل على وحدانيته وما سيقوله من قوله مقدّس عن منازعة الأضداد ، والأنداد أن يقول على وحدانيته فلعل مراده على وجود الصانع الواحد بقرينة كلامه السابق ، واللاحق ( أقول ) الظاهر أنّ وجود الصانع الحكيم يدلّ على انتفاء غيره ووحدانيته بطريق التمانع كما أشار إليه بقوله فيما مرّ أنها تدلّ على أنه تعالى هو الموجد لأصول العالم ، وفروعه على وفق الحكمة ، والمصلحة فلو كان له شريك لقدر على ذلك فيلزم التمانع وبهذا يرتبط الشرط والجزاء ويأخذ الكلام بعضه بحجر بعض ، وقوله علم خبران . قوله : ( ولعل فصل الآية به لذلك الخ ) كذا في بعض النسخ ، وفي بعضها إسقاط لفظ به ، والمراد بالفصل وقوعه فاصلة خاتمة لها على المعتاد في تتميم الآيات ، وتذييلها ومعناه أنّ هذه ختمت بقوله :إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[ سورة الزمر ، الآية : 42 ] وما بعدها بقوله إنّ في ذلك لآيات لقوم يعقلون لأنّ إنبات السنبلة أو الشجرة من الحبة بعد انشقاقها برطوبة مودعة في الأرض الخ أمر خفيّ يحتاج إلى التفكر ، والتدبر لمن له نظر سديد يستدلّ به على قدرته ، وحكمته ، ولذا أفرد الآية لأنه معنى واحد والمختلف فروعه ، وثمرته بخلاف أمر الليل ، والنهار والشمس ، والقمر والنجوم فإنه مختلف مع أنه أظهر دلالة على القدرة الباهرة ، وأبين شهادة على الكبرياء ، والعظمة ، ولذلك جمعت الآيات على ما أشار إليه في الكشاف ، وأمّا فصل جملة ينبت الخ فلأنها مستأنفة أو نعت هكذا ينبغي تحقيق كلامه فما قيل في تفسيره أنه فصل قوله ينبت لكم به الزرع بقوله إنّ في ذلك لآية الخ . للعلم بما ذكره ، وإنّ فيه ما فيه وليس في بعض النسخ لفظ به فيكون المراد بالفصل ترك العاطف في تنبت ، وهو معنى جيد لا غبار عليه ناشئ من عدم التفكر مع أنه غير ملائم لما قدّمه في بيان أعرابها ، ولا يصلح وجها للفصل ، وكيف يتأتى ما ذكر مع تصريح المصنف رحمه اللّه تعالى بما ذكرناه في خاتمة الآية التالية . قوله : ( بأن هيأها لمنافعكم ) لما كان التسخير بمعنى السوق قهرا كما ذكره الراغب ، وهو غير مراد هنا أشار بأنه مجاز عن الإعداد والتهيئة لما يراد منه ، وهو الانتفاع به . قوله : ( حال من الجميع أن نفعكم بها حال كونها مسخرات ) لما كان الحمل على الظاهر دالا على أن التسخير في حال التسخير بأمره ، وليس كذلك لتأخر الأوّل أوّلوه بأن المعنى جعلها مسخرات لأن في التسخير معنى الجعل فصحت مقارنته على أنه تجريد أو على أن التسخير لهم نفع خاص فمعناه نفعكم حال كونها مسخرات لما خلقت له مما هو طريق لنفعكم فسخر بمعنى نفع على الاستعارة أو المجاز المرسل لأن النفع من لوازم التسخير أو على أنّ مسخرات مصدر ميميّ منصوب على أنه مفعول