حال كونها مسخرات للّه تعالى خلقها ودبرها كيف شاء ، أو لما خلقن له بإيجاده وتقديره أو بحكمه ، وفيه إيذان بالجواب عما عسى يقال : إنّ المؤثر في تكوين النبات حركات الكواكب ، وأوضاعها ، فإنّ ذلك إن سلم فلا ريب في أنها أيضا ممكنة الذات ، والصفات واقعة على بعض الوجوه المحتملة فلا بدّ لها من موجد مخصص مختار واجب الوجود دفعا للدور والتسلسل ، أو مصدر ميميّ جمع لاختلاف الأنواع ، وقرأ حفص والنجوم مسخرات على الابتداء والخبر ، فيكون تعميما للحكم بعد تخصيصه ، ورفع ابن عامر الشمس والقمر أيضا
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
جمع الآية وذكر العقل لأنها تدل أنواعا من الدلالة ظاهرة لذوي العقول السليمة ، وغير محوجة إلى استيفاء فكر كأحوال النبات
وَما
شرح
مطلق ، وسخرها مسخرات على منوال ضربته ضربات أو يجعل قوله مسخرات بأمره بمعنى مستمرة على التسخير بأمره الإيجادي لأن الأحداث لا يدلّ على الاستمرار ، وسيأتي تحقيقه .
قوله : ( أو لما خلقن له بإيجاده وتقديره الخ ) هذا وما قبله تفسير لقوله بأمره فالأوّل على أن أمره شامل للإيجاد ، والتدبير ابتداء ، وبقاء فالمعنى أنها مسخرات للّه منقادة في البروز من العدم إلى الوجود ، وفي البقاء للانتفاع بها فإنها محتاجة إلى الفاعل في الحالين عند التحقيق فالأمر واحد الأمور ، والمراد به الخلق ، والتدبير الجاري على وفق مشيئته ، وليس بيانا لمعنى التسخير لعدم تصوّر حقيقة التسخير ، وهي القهر ، والغلبة في الجمادات إذ لا حاجة إليه بعد ما فسره بالإعداد ، والتهيئة وبين أنه بمعنى الجعل أو النفع أو الأمر واحد الأوامر ، وهو تكوينيّ كقوله :إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[ سورة يس ، الآية : 82 ] فالمعنى أنها مسخرة لما خلقت له بقدرته ، وإيجاده أو بحكمه عليها كما أراد فأوفى قوله أو بحكمه للتخيير في التفسير ، وفي نسخة لحكمه باللام ، والمشهور الباء . قوله : ( وفيه إيذان بالجواب عما عسى يقال الخ ) عسى هنا مقحمة بين الصلة والموصول كما مر تفصيله يعني كون ذلك بأمره على التفاسير فيه ينفي تأثير العلويات ، والطبائع بالذات لأن تخصيص بعضها ببعض الأحوال لا بدّ له من مخصص فإن كان ذلك حادثا دار أو تسلسل ، وإن كان واجبا ثبت المراد ، وقوله فيكون تعميما للحكم بعد تخصيصه بناء على أنّ النجوم شاملة للشمس ، والقمر . قوله : ( لأنها تدل أنواعا من الدلالة ظاهرة الخ ) فيه لف ، ونشر مرتب فقوله تدل الخ . بيان لنكتة الجمع وغير محوجة لذكر العقل يعني أنه لما ذكر الآثار السفلية أفرد الآية وذكر التفكر ، وحين ذكر العلوية جمع الآية ، وذكر العقل لظهور دلالتها على القدرة ، والعظمة فكأنها مدركة ببديهة العقل ، وكل منها دليل مستقل بخلاف الآثار السفلية فإنها خفية الدلالة لاحتمال استنادها إلى العلويات فلا بدّ من التفكر فيها ، ومن ضمّ بعضها إلى بعض ليظهر المطلوب فهي بمنزلة آية واحدة ، وكذلك الاستدلال باختلاف ألوان ما ذرأ فاحتاج إلى تذكر حال الآثار السفلية فيه فلذا قال إنّ في ذلك لآية لقوم يذكرون كذا قرّره العلامة في شرح الكشاف ، والاستدلال بالدور والتسلسل إنما هو بعد التفكر في بدء أمرها وما نشأ منه من اختلاف أحوالها فلا وجه لما قيل إنه إذا انجرّ الكلام