فِيهِ تُسِيمُونَ
ترعون من سامت الماشية ، وأسامها صاحبها ، وأصلها السومة ، وهي العلامة لأنها تؤثر بالرعي علامات
يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ
وقرأ أبو بكر بالنون على التفخيم
وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
وبعض كلها إذ لم ينبت في الأرض كلّ ما يمكن من الثمار . ولعلّ تقديم ما يسام فيه على ما يؤكل منه لأنه سيصير غذاء حيوانيا هو أشرف الأغذية ومن هذا تقديم الزرع ، والتصريح بالأجناس الثلاثة وترتيبها
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
على وجود الصانع ، وحكمته ، فإنّ من تأمّل أنّ الحبة تقع في الأرض وتصل إليها نداوة تنفذ فيها فينشق أعلاها ويخرج منه ساق الشجرة ، وينشق أسفلها فيخرج منه عروقها ثم تنمو ، ويخرج منها الأوراق والأزهار والأكمام والثمار ،
شرح
جدبوا ، وقيل المراد باللحم الضرع ، والمراد سقيها اللبن ، وعز بمعنى قل والشجر هنا بمعنى الكلأ لأنه هو الذي يعلف ، وكون ذلك فيه ضرر ، لأنه لا يغني غناء غيره . قوله : ( ترعون من سامت الماشية وأسامها الخ ) والقراءة المشهورة بضم التاء من الأسامة وقرئ شاذا بفتحها بتقدير لتسيم مواشيكم والسومة بضم السين كالسمة بكسرها بمعنى العلامة ، وقوله لأنها تؤثر بالرعي علامات يعني أن المواشي تؤثر علامات في الأرض والأماكن التي ترعاها فلذا سميت أسامة .
قوله تعالى :( يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ )يحتمل أن تكون صفة أخرى لماء أو مستأنفة استئنافا بيانيا كأنه قيل ، وهل له منافع أخر ، وقوله على التفخيم لأنه يستعمله المعظم نفسه ، ولذا سماها النحاة نون العظمة . قوله : ( وبعض كلها ) فمن تبعيضية وصرّح بها لأنّ كلّ الثمرات لا تكون إلا في الجنة ، وإنما أنبت في الأرض بعض من كلّ ليتذكر باقيها كما في الكشاف والمصنف رحمه اللّه تعالى ذكر وجها آخر ، وهو أنها بعض مما في يفاع الإمكان من ثمر القدرة الذي لم تجنه راحة الوجود وهو أظهر وأشمل ، وأنسب بما تقدم ، لأنه كما عقب ذكر الحيوان المنتفع بها على التفصيل بقوله تعالى :وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَعقب ذكر الثمرات المنتفع بها بمثله .
قوله : ( ولعل تقديم ما يسام الخ ) يعني كان الظاهر تقديم غذاء الإنسان الأشرف فأشار إلى أن ما قدم منه غذاء له بواسطة أيضا ، وهذا لا يدفع السؤال لأنه كان ينبغي تقديم ما كان غذاء بغير واسطة فالنكتة أنه قدّم النعم التي لا دخل للخلائق فيها ببذر ، وغرس وقدّم الزرع لمناسبته للكلأ المرعى ، وقوله ومن هذا أي من هذا القبيل أو لأجل هذا صرّح بالأنواع الثلاثة لما فيها من الغذائية ، وغيرها من الثمار للتفكه ، وقدم الزيتون لأنه أعرف وثنى بالنخل لأنه أقوى غذاء من العنب ، وقال الإمام قدّم ذلك للتنبيه على مكارم الأخلاق ، وأن يكون اهتمام الإنسان بمن تحت يده أقوى من اهتمامه بنفسه ، وقوله :كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ[ سورة طه ، الآية : 54 ] إيذان بأنه ليس بلازم وإن كان من الأخلاق الحميدة ولك أن تقول لما سبق ذكر الحيوانات المأكولة ، والمركوبة ناسب تعقيبها بذكر مشربها ومأكلها لأنه أقوى في الامتنان بها إذ خلقها ومعاشها لأجلهم فإنّ من وهب دابة مع علفها كان أحسن كما قيل من الظرف هبة الهدية مع الظرف .
قوله : ( على وجود الصانع وحكمته فإنّ من تأمّل الخ ) الظاهر أنه متعلق بآية ، وقيل إنه علق على