تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
وعقولهم
وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
بإفسادها ، وتفويت منافعها عليهم وفيه دليل على أنّ للعبد كسبا ، وأنه ليس بمسلوب الاختيار بالكلية كما زعمت المجبرة ، ويجوز أن يكون وعيدا لهم بمعنى أنّ ما يحيق بهم يوم القيامة من العذاب عدل من اللّه لا يظلمهم به ، ولكنهم ظلموا أنفسهم باقتراف أسبابه
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ
يستقصرون مدّة لبثهم في الدنيا أو في القبور لهول ما يرون ، والجملة التشبيهية في موقع الحال أي نحشرهم مشبهين بمن لم يلبث إلا ساعة ، أو صفة ليوم والعائد محذوف تقديره
شرح
أولى ، والأمر هنا بالعكس لأنا نقول اتصال الوصل بالإثبات جار على المعروف فإنّ تقديره تسمعهم ولو كانوا لا يعقلون يقتضي إسماعهم مع العقل بطريق الأولى والاستفهام إثبات بحسب الظاهر فإن نظر إلى الإنكار وأنه نفي بحسب المعنى اعتبر أنه داخل على المجموع بعد ارتباطه هكذا ينبغي تحقيق هذا المقام وقد قيل النفي منسحب على المعطوف عليه فقط لا عليهما حتى يرد الإشكال ، ولا محصل له سوى تعقيد كلماته . قوله : ( بسلب حواسهم وعقولهم ) أي إن سلبها والظلم على ظاهره وفسره الزمخشريّ بينقصهم شيئا فقيل ضمن معنى النقص فنصب مفعولين إن كان نقص كذلك كما في قوله : لا ينقصوكم شيئا وبه صرّح الحلبي وقيل إنه تفسير لا تضمين فإنه متعد بمن كقوله : لا يظلم منه شيئا فالناس منصوب بنزع الخافض وشيئا مفعول به وقد صرّح الراغب بكونه معنى للظلم ، ومنهم من أعرب شيئا مفعولا مطلقا أي شيئا من الظلم ، وعدل عما في الكشاف لابتنائه على مذهبه قيل ، وهو جواب لسؤال نشأ من الآية السابقة وضمير بإفسادها وما بعده للحواس . قوله : ( وفيه دليل على أنّ للعبد كسبا الخ ) المجبرة هم أهل الجبر الذين يقولون إنّ العبد لا كسب له ووجه الدلالة أنه ذكر أنه يظلم نفسه بالتصرّف وصرف الحواس لما لا يليق وهو عين الكسب ، وقوله ويجوز أن يكون وعيدا يعني بحمل الآية على أنّ اللّه لا يظلم الناس في تعذيبهم بل يعدل فلا شك أنه وعيد وشيئا على هذا مفعول مطلق فيكون ذلك في الآخرة وفي الوجه الأوّل يختص بأمور الدنيا . قوله : ( لهول ما يرون ) كذا في الكشاف قيل والوجه هو الأوّل لأنّ حال المؤمنين كحال الكافرين في أنهم لا يعرفون مقدار لبثهم في القبور بعد الموت إلى الحشر فوجب أن يحمل على أمر يختص بالكفار ، وهو أنهم لما ضيعوا أعمارهم في طلب الدنيا والحرص على لذاتها لم ينتفعوا بعمرهم ، وكان وجود ذلك العمر كالعدم عندهم فلذلك استقلوه والمؤمنون لانتفاعهم بعمرهم لا يستقلونه ، وأمّا قوله لهول ما يرون فهو تعليل مشترك لأنّ الكفار لما شاهدوا من أهوال الآخرة استقلوا مدّة لبثهم في الدنيا أو في القبور لأنّ الإنسان إذا عظم حزنه نسي الأمور الماضية ، وقيل إذا شاهدوا ذلك الهول هان عليهم غيره ، وودّوا طول مكثهم في القبور أو في الدنيا لئلا يروا ذلك فيعدّونها قصيرة فتأمّل . قوله : ( والجملة التشبيهية في موقع الحال الخ ) أي من مفعول نحشرهم ، وكان مخفف كأنّ أو مركب من الكاف وأن والظاهر الأوّل ، وأصله كأنهم أناس لم يلبثوا فيما مضى إلا ساعة ، وعلى كلّ حال فالتشبيه ليس مرادا به ظاهره فإنّ