تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
كالأصمّ الذي لا يسمع أصلا
أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ
تقدر على إسماعهم
وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ
ولو انضمّ إلى صممهم عدم تعقلهم ، وفيه تنبيه على أنّ حقيقة استماع الكلام فهم المعنى المقصود منه ، ولذلك لا توصف به البهائم ، وهو لا يتأتى إلا باستعمال العقل السليم في تدبره ، وعقولهم لما كانت مؤفة بمعارضة الوهم ، ومشايعة الألف والتقليد تعذر أفهامهم الحكم ، والمعاني الدقيقة ، فلم ينتفعوا بسرد الألفاظ عليهم غير ما ينتفع به البهائم من كلام الناعق
وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ
يعاينون دلائل نبوّتك ولكن لا يصدّقونك
أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ
تقدر على هدايتهم
وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ
وإن انضمّ إلى عدم البصر عدم البصيرة ، فإنّ المقصود من الأبصار هو الاعتبار والاستبصار ، والعمدة في ذلك البصيرة ، ولذلك يحدس الأعمى المستبصر ، ويتفطن لما لا يدركه البصير الأحمق والآية كالتعليل للأمر بالتبرّي ، والاعراض عنهم
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً
بسلب حواسهم
شرح
يراعى لفظها كقوله :وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ[ سورة يونس ، الآية : 43 ] وقد يجمع بينهما مع تقديم كل منهما ، وفيه تفصيل في النحو قد قدمنا طرفا منه ، والمعنى أنّ من المكذبين من يصغي إلى القرآن أو إلى كلامك ، وتصل الألفاظ لآذانهم ولكن لا يقبلونها كالأصمّ لا يسمع شيئا سيما إذا لم يعقل فإنه وإن وصل لصماخه لا يسمع لعدم تعقله المعنى المراد منه إذ المقصود من الاستماع فهم المعاني ، وإن كانوا كالصمّ الذين لا يعقلون مع كونهم عقلاء لأنّ عقولهم مؤفة أي أصابتها آفة ومرض بمعارضة الوهم للعقل ، ومتابعة الألف والتقليد فيتعذر عليهم فهم معاني القرآن والأحكام الدقيقة ، وإدراك الحكم الأنيقة فلا يتوهم أنّ صدر الآية أثبت لهم الاستماع وعجزها نفاه عنهم والمقدّمة الاستدراكية مطوية مفهومة من المقام وبها يتم الانتظام وهي تنبيه على أنّ الغرض من استماع الحق قبوله ، وقوله كالأصم إشارة إلى أنه تمثيل في معرض الاستدلال على ذلك الاستدراك لأنّ انتفاء الاستماع كناية عن انتفاء القبول ، وتقديم المسند إليه في قوله أفأنت تسمع الصمّ عند السكاكيّ للتقوية ، وجعله العلامة للتخصيص فتقديم الفاعل المعنويّ ، وإيلاؤه همزة الإنكار دلالة على أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قصد إسماعهم ، وهو منتف عنه أي أنت لا تقدر عليه بل اللّه هو القادر وسرد الألفاظ سوقها متتابعة من سرد الدرع ، ونسجه والناعق الصائح الزاجر كالراعي . قوله : ( حقيقة استماع الكلام الخ ) قيل بل هو حقيقة السماع ألا ترى أنه تعالى أثبت لهم الاستماع ونفي السماع وفيه نظر والمعاني الدقيقة ما اشتمل عليه القرآن ، وقوله أفأنت تهدي العمي تقدر الخ حمله على نفي القدرة لأنه الثابت للّه تعالى والمراد بالهداية الموصلة لا مطلق الدلالة لأنه ثابت له صلّى اللّه عليه وسلّم وقوله ، وإن انضمّ الخ حمل النفي في قوله لا يبصرون على نفي البصيرة لمناسبة المقام وليكون تأسيسا . قوله : ( فإنّ المقصود من الأبصار هو الاعتبار والاستبصار ) جواب سؤال مقدّر ، وهو أنه أثبت لهم النظر والأبصار باعتبار الواقع ونفاه ثانيا لعدم الغرض منه الذي جعله كالعدم لا يقال الأصل في كلمة لو الوصلية أن يكون الحكم على تقدير تحقق مدخولها ثابتا كما أنه ثابت على تقدير عدمه إلا أنه على تقدير عدمه