ويتفحصوا معناه ، ومعنى التوقع في لما أنه قد ظهر لهم بالآخرة إعجازه لما كرّر عليهم التحدّي فرازوا قواهم في معارضته ، فتضاءلت دونها ، أو لما شاهدوا وقوع ما أخبر به طبقا لاخباره مرارا ، فلم يقلعوا عن التكذيب تمرّدا وعنادا
كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
شرح
بغيبه فإتيانه مجاز عن تبيينه وانكشافه ، وقوله والمعنى أي معنى لما يأتهم تأويله على الوجهين وإعجاز المعنى إخباره عن المغيبات فإنّ البشر لا يقدر عليه ، وهذا بيان لأنّ إعجازه لهم بكلا الأمرين . قوله : ( ومعنى التوقع الخ ) التوقع الانتظار ، وأصل معناه طلب وقوع الفعل مع تكلف ، واضطراب ، وقد تقدّم أنّ لما تدلّ على أن نفيها متوقع منتظر ، وهو أحد الفروق بينها ، وبين لم وقد ذكر له في الكشاف ثلاثة وجوه أحدها أنّ المراد بالتأويل بيان المعنى ، وأنه متوقع منهم الوقوف عليه ، وعلى الإعجاز يتكرّر التحدّي عليهم وامتحانهم به حتى يظهروا العجز ويقروا به ، وهو معنى قول المصنف رحمه اللّه قد ظهر لهم بالآخرة الخ ، والثاني أن الموصوفين بهذا كانوا شاكين فيه فلذا أتى بلما لأنّ زوال شكهم متوقع ، ولم يذكره المصنف رحمه اللّه تعالى ، وصاحب الكشاف ، وإن ذكره أيضا أشار إلى ضعفه ، والثالث أنّ المراد بالتأويل ما يؤول إليه من وقوع ما فيه من المغيبات فإنه منتظر الوقوع لتيقننا بأنّ ما أخبر اللّه عنه سيقع وهو ما أشار إليه بقوله أو لما الخ ، وقوله فرازوا بالراء المهملة والزاي المعجمة بمعنى جرّبوا وامتحنوا وتضاءلت بالمد بمعنى صغرت وضعفت ، وقوله : لما كرر بكسر اللام التعليلة أو بفتحها بمعنى حين ظرف ظهر وكذا لما شاهدوا ، والإقلاع الكف يقال أقلع عنه إذا كف .
قوله : ( فلم يقلعوا عن التكذيب تمردا وعنادا ) قليل عدم الإقلاع يستفاد من استمرار الذم لا من كلمة التوقع ففي كلامه تسامح ، ومع ذلك ففيه أنّ النحاة صرّحوا بأنّ منفيّ لما مستمرّ النفي إلى الحال دون لم فإذا استمرّ نفيه إلى الآن لم يجز يأتي تأويله إلى حين الأخبار فلا يصح قوله ، ومعنى التوقع الخ والظاهر أنّ الآية الأولى إنكار لتكذيبهم النظم ، والثانية لتكذيبهم بما فيه من الأخبار قبل أن يحيطوا بعلمه ، ويأتيهم تأويله إلى نزول الآية الكريمة انتهى . وقد سبق هذا القائل شرّاح الكشاف ، وأشاروا إلى أنه مأخوذ من مجموع الكلام ، والسياق مع ما فيه من التكلف قال النحرير والذي يلوح من كلامه أنه تعالى نبه أوّلا على تكذيبهم بعد بيان المرجع ، والمآل والعلم بحقيقة الحال بقوله :أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِفإنه يدل على أنهم لم يرجعوا عن تكذيبهم بل أصرّوا بغيا وحسدا وعنادا ، ثم أضرب عن ذلك إلى الإخبار عنهم بما هو أشنع في نظر العقل من وجه وهو المسارعة إلى التكذيب قبل العلم وإتيان التأويل إذ فيه اتصاف برذيلة الجهل وقلة الإنصاف ، وعدم التثبت وإن كان التكذيب بعد العلم أشنع من جهة أنّ الجاهل ربما يعذر لكن العناد في نظر العرب ليس كاستقباح الجهل والتقليد لمن هو دونهم أو مثلهم بل ربما استحسنوه حتى قيل :فعاند من تطيق له عنادا